IMLebanon

سقطت “مغارة أبو طاقية”… وبدأ التنقيب في منجم أسراره

كتبت ربى منذر في صحيفة “الجمهورية”:

أخيراً، سقطت مغارة «أبو طاقية»، مغارة المطلوب رقم واحد في ملف العسكريين الشهداء، وبات الشيخُ الذي سلّم العسكريين للإرهابيّين، أسيراً لن تشفعَ فيه وساطاتُه ولا علاقاتُه. سقطت مغارة «أبو طاقية» لتكونَ تأكيداً على أنّ الجيشَ يُمهل ولا يُهمل… فاستراحت أنفسُ عشرات العسكريين الشهداء من عليائهم، وتجدّدت ثقةُ الأحياءِ منهم بأنّ تضحياتِهم لن تذهبَ هدراً.يومَ قالَ المديرُ العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم عن أنّ الدورَ الأخير في قضية العسكريين المخطوفين آنذاك سيكون لـ«أبو طاقية»، إعتقد كثيرون أنّ الموضوعَ «سيُضبضَب» وستكون هناك تسوية سياسية للفلفة ملف الشيخ مصطفى الحجيري الذي لعب دوراً بارزاً وأساسياً في كل عمليات عرسال منذ ما قبل آب 2014 مع دخول لاجئين سوريّين الى البلدة، وتابع مسيرتَه حتى لحظة اعتقاله، إلّا أنّ هؤلاء نسوا أنّ في اليرزة شخصاً وعد باقتياد «أبو طاقية» وكلّ مَن اعتدى على أيٍّ من العسكريين، وكان جدّياً جداً بوعده الذي اعتبره أمانةً برقبته، وهذا ما حصل، فنُفّذت العمليةُ واقتيد الحجيري.

تفاصيلُ العملية

منذ انتهاء معركة «فجر الجرود»، وبعد القبض على رئيس بلدية عرسال السابق علي الحجيري الملقّب بـ«أبو عجينة»، تأكّد مصطفى الحجيري أنّ القرعة ستقع عليه، فاختفى عن الأنظار آنذاك لمدة تخطّت الشهرَين ونصف الشهر، فدوهمت أماكنُ عدة من دون الوصول إليه، وفي الفترة الأخيرة اختفى أثرُه كلياً رغم كل عمليات التفتيش، لدرجةٍ انتشرت شائعاتٌ عن مغادرته لبنان.

وكانت جهاتٌ نافذة عدة تدخّلت في فترات سابقة للفلفة ملفّه وإقفاله نظراً لإرتباطاته بدول إقليمية كبيرة، لا سيما إحدى الدول التي موّلت له مستشفى ومرّرت عبرَه أموالاً لمسلّحي «جبهة النصرة» في الجرود.

«الخطأ المُنتظر»

أخيراً، ارتكب مصطفى الحجيري الخطأ الذي كان الجيش ينتظره، ما مكّنهم من تحديد بعض الأماكن التي كان يتردّد إليها، لكن في أكثر من محاولةٍ لاصطياده كان وجودُ المدنيين يصعّب العملية لخطورتها واحتمال فشلها، فكان التريّث سيدَ الموقف في كل مرة، وكان الحجيري «ينفد بريشه» منها.

في الـ72 ساعة الماضية، تمكّنت مجموعة الرصد المكلّفة متابعته، من تحديد انتقاله الى منزله، وعلى هذا الأساس بُلّغت غرفة عمليات القوة التي كان عليها التحرّك، فانطلقت من اليرزة ليلَ أمس الأول، ودخلت الى عرسال مموّهة، وهي قوة خاصة من مديرية المخابرات فرع المكافحة مختصّة بتنفيذ هذا النوع من العمليات وكان لها ملف حافل وناجح بعمليات من هذا النوع.

وبعدما حُدّد مكان وجود الحجيري، في منزل يقع في حارة قديمة ويبعد 350 متراً عن ساحة البلدة، طوّقه الجيش من كلّ الإتجاهات وسط تعزيزات عسكرية على الطرق المؤدّية إليه، ودخله بعدما كان تأكّد من أنه في الداخل، وتحديداً في أيّ غرفة، إضافة الى هويّات الأفراد الموجودين معه، ولم يكن هناك مسلّحون حول منزله كما يحصل عادةً، فتمّ التسلّل والوصول الى منزله، ودخل العناصر واقتادوه من غرفة نومه في الطابق الثاني في حضور عائلته من دون أن يأخذوا أيّ فرد منها.

وتجدر الإشارة الى أنّ مدة العملية لم تتخطَّ النصف ساعة حتى وَجَد الحجيري نفسَه داخل سيارة عسكرية متّجهة الى ثكنة أبلح قبل أن يُنقل منها الى اليرزة.

وقبل العملية كان الجيش يملك خريطة مفصّلة لبيت الحجيري والمسجد الملاصق له واللذين يشكّلان معاً مجمعاً واحداً، أما الى جانب غرفة نومه فهناك مكتبة ومكتب له، وفي المبنى الملاصق لبيته كان العسكريون موجودين لدى اقتيادهم قبل أن يُساقوا الى الجرود في ليلة آب السوداء.

كنزٌ من المعلومات

لا يختلف اثنان على أنّ الحجيري يشكّل صيداً أكثرَ من ثمين للجيش، ففي جعبته التفاصيل التي ستكشف عن ملابسات الفترة الأخيرة ودوره خلالها، خصوصاً أنه يملك معلوماتٍ قيّمة وتفاصيل عن شخصيات لبنانية وعربية مرتبطة بملفات داخل لبنان وخارجه، إضافة الى كشفه الأشخاص الذين كان يتعامل معهم، ومساعديه والذين ساهموا في تخفّيه وتنقّله في الليالي متنكّراً، علماً أنه كان قطع كل أنواع الإتصالات التي يمكن رصدُها من خلال التتبّع التقني، إلّا أنه ارتكب خطأً معيّناً سمح بتحديد مكانه الجديد وتوقيفه، بعدما كان تردّد الى أماكن عدة في الفترة السابقة والتي شكّلت له أوكاراً للإختباء.

تنفيذٌ نظيف

يُمكن وصفُ العملية بالدقيقة جداً، فاحتاج التخطيطُ لها وتنفيذُها الى دقة وحرفيّة عاليتين، أنتجتا عملية نظيفة إذ لم تقع أيُّ خسائر في القوة المهاجمة ولا في صفوف عائلة الحجيري على حدٍّ سواء، فأثبت الجيشُ مرةً جديدة أنّ أحداً لن يفلت من العقاب، وأنّ كلّ مَن اعتدى على أيِّ جنديٍّ سيُحاسَب، وبعدما قام الجيش بواجباته، بات الآن الدور للقضاء ليحكم على الحجيري بما يستحق، علّ الأهالي يستردّون جزءاً من حقهم.

والدُ الشهيد…

بصوتٍ مخنوقٍ يحمل غصّةً لم يخفّف من حدّتها مرورُ الوقت، يقول حسين يوسف، والد العسكري الشهيد محمد، لـ«الجمهورية»، «إننا لم نأخذ شيئاً من حقنا طالما أنّ المجرمين ما زالوا على قيد الحياة، ونطالب بإعدام كلّ مَن اعتدى على العسكريين، ونضع ذلك في سياق الثقة بقيادة الجيش وبرئيس الجمهورية اللذين وعدا ووفيا بوعدهما، ولن نسمحَ بوجود غطاءٍ على رأس أيٍّ من المعتدين، إذ لن يبرّد قلوبَنا أيُّ حكم سوى الإعدام، أقله في حقّ المتورّطين بشكلٍ مباشر في الجريمة كعمر وبلال الميقاتي».

ويعتبر يوسف أنه «باعتقال الحجيري تأكّد لنا تحمّل الدولة مسؤوليّتها في هذا الملف، إلّا أننا لن نقبل سوى بالحصول على إمضاء رئيس الجمهورية على قانون الإعدام استثنائياً، رغم علمنا بتوقيع لبنان معاهداتٍ دولية تتعلّق بحقوق الإنسان، لكنّنا لا نُدخل هذين الشخصين في خانة البشر، وأبسط الأمور هو اعترافهما بالجريمة، وما تصريح بلال ميقاتي عن أنه في حال خرج من السجن فهو مستعدّ لقتل عسكريّين إضافيّين، إلّا دليل على ضرورة إعدامه»، لافتاً الى «أننا من باب إعادة ثقة الجندي ببارودته وبنفسه وبأنّ حقوقَه وتضحياتِه لا تضيع، سنطالب بالإعدام حتى آخر نفَس».