IMLebanon

اللبنانيون أمام نموذجين من الحكم (بقلم رولا حداد)

كتبت رولا حداد

لا يختلف اثنان في لبنان والعالم على الاعتراف بأن “حزب الله” وفريقه حققا انتصاراً سياسياً واضحاً اعتباراً من وصول الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا في 31 تشرين الأول 2016، مهما غالى البعض في الطرف الآخر بتجميل الخسارة السياسية وبالحديث عن “تسوية رئاسية” مزعومة، لأن الوقائع السياسية على مختلف المستويات أثبتت بعد سنة و4 أشهر من الانتخابات الرئاسية، أن انتخاب الرئيس عون وما تلاه على كل الأصعدة شكّل ربحاً صافياً للحزب ومحوره داخلياً وإقليمياً، سواء على صعيد السياسة الخارجية حيث علاقات لبنان بالدول الخليجية باتت في أسوأ درك في تاريخها مقابل تبجح الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن لا قرار يُتخذ في لبنان من دون موافقة طهران، وسواء على الصعيد الأمني وخصوصاً بعد ما ظهر في جولة زعيم “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي في الجنوب وسط ضياع التبريرات والتفسيرات الأمنية في لبنان، إضافة إلى واقعة تهريب عناصر “داعش” الإرهابيين من جرود القاع ورأس بعلبك ومنع الجيش اللبناني من الحسم ضدهم عسكرياً.

أما على الصعيد الداخلي فكل المؤشرات تبرهن يومياً منطق غلبة فريق 8 آذار واستشراس هذا الفريق في محاولة الإجهاز على خصومه أو عزلهم سياسياً، وكان التعبير الأبرز لهذا النهج كلام نائب “حزب الله” نواف الموسوي الأخير عن ضرورة الإبقاء على عزلة الأقلية، إضافة إلى الهجمة على الإعلام والإعلاميين وحرية التعبير بشكل غير مسبوق منذ أيام الاحتلال السوري.

مما سبق يتضّح أن ثمة فريقاً في لبنان لا يفوّت أي فرصة يعتبر فيها نفسه منتصراً من أجل محاولة القضاء على خصومه السياسيين بكل الوسائل. هو الأسلوب نفسه الذي اتبعه الاحتلال السوري في العام 1991 بعد عقد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد اتفاقاً من تحت الطاولة مع إدارة جورج بوش الأب، فغطى الأسد الدخول الأميركي العسكري الى الخليج تحت ستار حرب تحرير الكويت في مقابل إطلاق يده في لبنان، فانتهك كل بنود اتفاق الطائف بدءًا من حل الميليشيات استنسابياً مرورا بعدم الانسحاب عسكريا من لبنان وليس انتهاءً بمحاولة القضاء على خصومه فكان حلّ حزب “القوات اللبنانية” واعتقال قائده في العام 1994 وإسكات الإعلام وتدجينه.

سيناريو مشابه بشكل كبير يتكرر اليوم وتحت عناوين مختلفة. السلطة السياسية تعمل على إسكات كل صوت معارض، وتسعى إلى عزل “القوات اللبنانية” وجميع المعارضين، وتحاول تدجين الإعلام علناً.

في المقابل، من المفيد التذكير بأن قوى 14 آذار انتصرت في العام 2005، وكان انتصارها عظيماً ومدوياً، فاستطاعت أن تحقق الانسحاب العسكري السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، كما فرضت إنشاء المحكمة الدولية، لكنها لم تعرف كيف تحكم بالمعنى الذي يمارسه “حزب الله” اليوم. لم تقدم قوى 14 آذار على الإطاحة بالرئيس الأسبق إميل لحود مع أن الإمكانية كانت متاحة، ولم تسعَ إلى محاصرة “حزب الله” بل على العكس مدت يدها إليه فكان الحلف الرباعي في انتخابات الـ2005. وعوض أن تحكم وتسيطر على الإدارات والمؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية، وقعت في فخ الحوار المزعوم في 2 آذار 2006 بداعي ضرورة الانفتاح والحوار، عوض اتباع استراتيجية العزل التي لطالما اعتمدها الفريق الآخر، ولم تسعَ يوماً إلى قمع الإعلام أو تدجينه.

ليس واضحاً ما إذا كانت قوى 14 آذار سابقاً لم تمارس ممارسات “حزب الله” لأنها لم ترغب أو لأنها لم تعرف أو ربما لأنها لم تجرؤ، لكنها حتما تحصد اليوم نتيجة تقاعسها. أيا يكن ثمة نموذجان من الحكم اختبرهما اللبنانيون: نموذج مارس الديمقراطية حتى المبالغة رغم أنه كان يتعرّض للإبادة بفعل الاغتيالات الإجرامية، ونموذج يمارس القمع والتسلط والهيمنة منتهكاً أبسط أسس النظام البرلماني الديمقراطي. يبقى على اللبنانيين أن يختاروا أي نموذج يناسبهم ليحكمهم!