على ضفاف بحيرة نيوشاتيل… حتى التدخين لا يؤذي! (تحقيق نوال نصر)

تحقيق نوال نصر

قالوا عن لبنان سويسرا الشرق وقالوا عن سويسرا إنها بلد الملوك والأمراء وبطاقة بريد لرسامٍ أتقن فنه.

وضبنا أمتعتنا وغادرنا من هنا الى هناك، من لبنان الى سويسرا، فاكتشفنا هناك سحرا لا يوازيه سحر لا في “لبناننا” ولا في أي مكان آخر.

هبطنا في مطار جنيف الدولي. إلتقطنا حقائبنا. وضعناها في غرفة مجهزة بخزنات خاصة. وركبنا القطار الى عاصمة سويسرا الإدارية “برن”. الثلوج تكاد لا تتوقف. الصقيع قارس. والطبيعة مرسومة بإزميل فنان أتقن فعلا عمله. الأجواء ميلادية والألوان والنجوم كثيرة. نتذكر “نجوم الظهر” التي نراها أحيانا في لبنان ونبدأ في المقارنة: ما لنا وما لهم. ما عندنا وما عندهم. ما نراه هنا وما نراه هناك. وشتان ما بين المشهدين.

نضحك أو نحزن؟ فلنتابع رحلتنا في سويسرا.

السفارة اللبنانية في برن جميلة، مكللة بالثلوج والنفناف يتطاير على العلم اللبناني الشامخ في الباحة الخارجية. والسفيرة الجديدة رولا نور الدين تُمثل لبنان أفضل تمثيل. نزور الأسواق الميلادية في برن. الغلاء فاحش. نتذكر هنا لبنان ونتابع. نتذوق الشوكولا السويسرية. نتذوق الجبنة السويسرية. نسرح في أرجاء المدينة التي تنام باكرا. نستريح في انتظار مركبة تقلنا مجددا الى مطار جنيف الدولي لاستعادة حقائبنا والإنتقال الى مدينة أخرى في سويسرا. يحاول أحدنا إشعال سيكارة فيسمع تمتمات. التدخين يضرّ. يحاول أن يتخفى وهو يُشعل سيكارته فيسمع إنذارا يتجدد: التدخين هنا ممنوع.

ننتقل عبر القطار السريع من مطار جنيف الى مدينة نيوشاتيل الساحرة الواقعة غرب سويسرا على ضفاف بحيرة نيوشاتيل. المدينة- الكانتون مليئة بالكنائس والكاتدرائيات والمتاحف الرائعة. الطيور تحوم فوق البحيرة الباردة. والشمس حين تبذغ بخفر على رغم أنف الثلوج تُضفي على المكان روعة وجمالا. مناظر قد لا نراها إلا في الأحلام.

ثمة منزل خشبي يرتفع أكثر من 1100 متر عن سطح المدينة يفتح أبوابه أمام الزائرين ومنه، من فوق، نطل على جبال الألب ونحن نغرز بأقدامنا الثلوج غير مبالين لشيء إلا لجمالية اللحظة.

هناك، في نوشاتيل، يقع أحد أهم المتاحف الأثرية في سويسرا. وهناك، في تلك البقة الصافية الرائعة والنقية، يقع أحد أكبر مصانع التدخين في العالم، مصنع فيليب موريس إنترناشونال. فهل التدخين هناك مسموح؟ هل صفاء المكان لا يُعكره إنتاج المصنع للدخان؟

نقصد المصنع مستفسرين فنُصاب بالدهشة من التقنيات العالية المستخدمة هناك. وبدل أن نسمع من يُدافع عن الإنتاج نسمع من يبحث عن سبلٍ جديدة، مختلفة، للإقلاع عن التدخين. فهل نحن في يقظة أم في حلم؟ نجول في المكان الشاسع الواسع فنتأكد أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، حتى بالنسبة الى كبار شركات تصنيع الدخان مثل “فيليب موريس إنترناشونال”. فهم أكثر من يدركون أن الوعي يزداد بين البشر تجاه ضرورة الحدّ من التدخين وصولا الى الإنقطاع التام عنه. لكن هل هذا ممكن؟ هل يمكن أن نحيا في عالمٍ تتدنى فيه أعباء التدخين الصحية لا سيما تلك الغازات السامة وجزئيات  القطران التي تقتحم الرئتين وتتسبب بتلفهما وبسرطان الرئة وانتفاخهما وأمراض القلب والأوعية الدموية وسواها؟ هل هذا ممكن؟

من هناك، من مقاطعة نيوشاتيل، من مصنع فيليب موريس نحصل على جواب فيه أن الإقلاع عن التدخين بات ضروريا لكن لا بُدّ في المرحلة الفاصلة من البحث عن خيارات بديلة. علكة النيكوتين خيار. السيكارة الإلكترونية خيار. لكنهما أثبتا عجزهما عن تلبية هذه المرحلة الفاصلة بين التدخين واللاتدخين كون المدخن يبحث في شكلٍ عفوي، تلقائي، عن سيكارة لا عن علكة. هو يبحث عن سيكارة يُشعلها ويخرج منها الرماد لا عن سيكارة إلكترونية لذا جرى تطوير جهاز يحتوي على تبغ يُسخن من دون أن يحترق سُمي إيكوس يوفر النيكوتين الذي يطلبه المدخن، والنيكوتين لا يؤذي في ذاته، من دون أن تنتقل سموم التبغ الى المدخن. إختراع جذاب، واعد، جرت عليه دراسات مخبرية كثيرة، لكنه لا يتوافر، حتى هذه اللحظة، في بلادنا.

في سويسرا الغرب نتعرف على أشياء كثيرة نتمناها عندنا، في سويسرا الشرق. نخرج من قلب أحد أكبر مصانع إنتاج الدخان الى جوار البحيرة. نأخذ الصوّر التذكارية. نتنشق الهواء العليل. ننظر حولنا فنرى الجميع منهمكين في البحث عن راحة كل من هم من لحم ودم والمستقبل والمصير.

شتان ما بين هنا وهناك.