IMLebanon

العفو العام.. وقاعدة الـ 6 و6 مُكرّر

كتب جوزف ضاهر في صحيفة “الديار”:

على أبواب الانتخابات النيابية، تبدو كلّ الأسلحة مباحة لقوى السلطة لاستخدامها في معركتها التي تخوضها للمرّة الأولى على قاعدة قانون النسبية، من دون معرفة النتائج مسبقاً، وإحدى تلك الأسلحة إغراء الناخبين واستقطابهم في خدمات وتقديمات وقوانين لم تكن متاحة من قبل، لا بل كانت من المحرّمات، ومنها قانون العفو العام الذي يطوي جرائم خطيرة هددت أمن الوطن، ولوّعت أبناءه، ويلغي ملاحقات وأحكام غيابية صادرة بحق آلاف المطلوبين في طول البلاد وعرضها رغم كلّ التحفظات والتحذيرات من أبعاده.

بات واضحاً أن قانون العفو يشكّل الآن مصلحة مشتركة لكل القوى السياسية، التي تستفيد منه قواعدها الشعبية، بما يسمح لها باستمالة عائلات الموقوفين والمحكومين والملاحقين غيابياً، وتجيير أصواتهم في صناديق الإقتراع في السادس من أيار المقبل، بحيث أن القانون الثلاثي الأبعاد والذي يعمل به على قاعدة الـ«6 و6 مكرر»، تتقاطع حوله مصالح القوى السياسية الرئيسية، بدءاً من تيار «المستقبل»، الذي يحقق له مكسباً بسبب شموله الموقوفين الاسلاميين، الذين توافدت عائلاتهم قبل أيام الى بيت الوسط، وتلقت وعداً قاطعاً من الرئيس سعد الحريري، بحتمية التوافق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على صدور القانون في نهاية شباط المقبل على أبعد تقدير. في وقت كشفت مصادر في لجنة أهالي هؤلاء الموقوفين أن النائبة بهية الحريري، زّفت بشرى سارّة لعائلات موقوفي ومحكومي أحداث عبرا، نفيد بأن «مسودة القانون أنجزت وهي تخضع الآن للتدقيق، وهي تشمل جريمة أحداث عبرا وكل الملاحقين فيها».

ولا تختلف مقاربة «المستقبل» عمّا يصبو اليه التيار الوطني الحرّ، فالأخير يتطلّع الى إقرار هذا القانون، ليكون منسجماً مع مشروع القانون الذي قدّمه الى المجلس النيابي بعد انتخابات الـ2005، تحت عنوان «استعادة المبعدين قسراً» الى فلسطين المحتلّة، و«رفع الغبن» عن حوالى 4800 شخص من كوادر وعناصر كانوا في عداد مليشيات العميل أنطوان لحد، الذين فرّوا الى اسرائيل مع عائلاتهم، إبان تحرير الجنوب في 25 أيار من العام 2000.

لكنّ الثنائي الشيعي حركة «أمل» و«حزب الله»، الذي يبدو شديد الحساسية من قانون يطال «الموقوفين الاسلاميين» ومن يسميهم «عملاء اسرائيل»، يكاد يكون مقيّداً وغير قادر على قطع الطريق على عفوٍ يشمل آلاف المحسوبين على بيئته، ويؤدي الى الغاء مذكرات التوقيف وخلاصات الأحكام الغيابية، التي تطارد ما يقارب التسعة آلاف شخص من أبناء منطقة البقاع، الملاحقين بجرائم اتجار بالمخدرات وخطف وسلب واتجار بالأسلحة وغيرها من الجرائم، ويخفف عن هذا الثنائي أعباء المظاهرات وقطع الطرقات التي يشهدها البقاع بين فترة وأخرى، مترافقة مع عمليات تمرّد داخل السجون.

ومع كلّ عهد جديد، يتطلّع نزلاء السجون الى عفو عام يصدره رئيس الجمهورية، لكنهم سرعان ما ينقطع بهم حبل الأمل الذي يتمسكون به، بعد أن يطوي العهد عامه الأول وينخرط في الصراعات السياسية التي تحرف البوصلة عن هدفهم الأساس، علماً أن ميزان العدل يفترض أن يمنح عفواً مستحقاً العفو المئات الأشخاص الذين ينطبق عليهم معايير هذا العفو، من أصحاب السلوك الحسن، أو ممن اضطرتهم ظروف قاهرة الى ارتكاب جرم جنائي لا يشكل خطراً على المجتمع، لكنّ المغالاة والتوسّع في هكذا عفو ستكون له بالتأكيد ارتدادات سلبية على أمن المجتمع ككل.

صحيح أن الاندفاعة السياسية للعفو تراجعت نسبياً، تحت ضغط التحذير من الذهاب الى عفوٍ لا يراعي المعايير المطلوبة، ولا يخضع لدراسة لجان متخصصة، لكنه لا يزال يسلك طريقه نحو الإقرار وإن ببطء، لكنّ مرجعاً قانونياً مراقباً للتركيبة التي تحضّر في مطبخ أهل السياسة، نبّه الى أن «أي قانون عفو غير مدروس كفاية، قد يدفع نحو تفشّي الجريمة بشكل غير مسبوق». ودعا الى الاتعاظ من «تتنامى جرائم القتل في لبنان في هذه المرحلة، بحيث لا يمرّ يوم الا ويقع فيه جرائم، يركبها الجناة دون وازع أو خوف من قانون أو ملاحقة». ويرى أن العفو «قد يعطي هؤلاء حافزاً لارتكاب المزيد من الجرائم، والرهان على عفو يخرجهم من خلف القضبان».

ولم يسبق لقوانين العفو التي صدرت في أوقات سابقة، أن شكّلت «أسوة حسنة»، وقدّم المرجع القانوني أمثلة على ذلك، بتأكيده أن من «خرجوا بعفو عام في قضية أحداث الضنية، عادوا الى دوامة العنف، وانخرطوا بقتال الجيش في معارك نهر البارد والتحقوا بتنظيمات ارهابية، قتلت ضباط وعناصر للجيش في الشمال وعرسال، وبعضهم ذهب للقتال في سوريا».

وإذا كان مبررات الحذر من الموقوفين الاسلاميين في محلّها، فإنها تنطبق على الآخرين، ويذكّر المرجع القانوني بأن «من شملهم قانون العفو عن جرائم المخدرات الذي صدر في العام 1997، عادوا الى مهنتهم ذاتها، حيث أغرقوا البلد بسموم المخدرات التي تفتك بالشباب اللبناني وتدمّر مستقبلهم كما تدمر المجتمع بشكل عام، وهم الآن يلاحقون بعشرات الدعاوى». ويؤكد أيضاً أن الذين «صدرت بحقهم أحكام مخففة بجرائم التعامل مع العدو الاسرائيلي، وخرجوا من السجن، عادوا للتعامل مع الاستخبارات الاسرائيلية، وينشطون على تجنيد شبكات للتجسس لصالح الموساد، في لبنان وخارجه، وهذا ما ثبت لدى كشف العديد من الشبكات الاسرائيلية في السنوات الأخيرة».

ولم يعد سرّاً أن مفاعيل العفو الذي صدر في العام 1991، تنسحب على العفو الجديد، الذي سيستثني كل المحالين على المجلس العدلي، بجرائم الاعتداء على أمن الدولة والاغتيال السياسي، وبالتالي فإن منفذي موجة التفجيرات التي ضربت لبنان في السنوات الأخيرة، لن ينعموا بهذا القانون وكذلك الذين اشتركوا في خطف العسكريين وتصفيتهم، مع رغبة في توسيع دائرة الاستثناءات التي تعمل بعض القوى على فرضها قبل اقالة القانون على الهيئة العامة لمجلس النواب.