IMLebanon

أنا الموقّع أدناه شاب من شباب 14 آذار (بقلم طوني شديد)

كتب طوني شديد: 

“لم نكن واضحين ولا غامضين، لكنّ أسلوبنا في عبور الشوارع من زمن نحو آخر كان يثير التساؤل من هؤلاء؟”

هكذا وصف محمود درويش يومًا الشباب الثائرين. لكنّ الثورة التي افترشنا لأجلها الأرض نحن شباب 14 آذار والثورة التي افترش لأجلها قادةٌ ورفاقٌ لنا أضرحةً تحت الأرض وناموا واقفين قد سقطت تحت ضربات المتسلّطين والمتخاذلين.

أنا الموقّع أدناه شاب من شباب 14 آذار أتحدّر من قرية مارونية صغيرة تقع على تخوم زغرتا الزاوية، قرية أحرقها لواء اليرموك السوري عام 1975، وسقط في الدفاع عنها شهداء ومن بينهم شقيق والدي الذي دُفن من غير جنازة. ربّما كانت هذه العلاقة الجدلية بين قدسية الشهادة بتعدّديتها وبين قدسية الهوية اللبنانية بفلسفتها هي التي دفعتني إلى ساحة الحرّية إثر شيوع خبر استشهاد الرئيس رفيق الحريري. إنّه ربيع العام 2005 الذي طال انتظاره لعقود، ولكلّ وطني حكاية خاصة مع هذا الربيع.

لم ننتبه للوهلة الأولى أنّ الصدمة دفعتنا نحن شباب 14 آذار من كلّ المناطق وكلّ الطوائف إلى ساحة واحدة اختصرت بجغرافيتها كلّ التاريخ وكلّ النضالات، حيث امتزجت دماء كلّ ضحايانا منذ العام 1975 بدماء ضحايا تفجير السان جورج.

إنّها من مآسي اللبنانيين أنّهم لا يستفيقون من نوم عميق إلاّ على خبر استشهاد كبير من هذا الوطن الصغير الكبير.

كانت ساحة الشهداء المحطّةَ الأولى التي جمعتنا نحن الشباب اللبناني المندفع من مختلف المناطق والطوائف باتّجاه الساحة التي افترشنا فيها الأرض لأسابيعَ جنبًا إلى جنب مع شباب لم نكن عنهم مختلفين؛ لقد كانت الشعارات موحّدة والهتافات موحّدة ولعلّها كانت الأفراح والأحزان أيضًا موحّدة. أمّا الراية فكانت واحدة موحّدة وهي راية علم لبنان.

لم نكن غامضين، فجلّ ما في الأمر أنّنا اندفعنا لنطالب بسيادة واستقلال لبنان، وكنّا نتباهى أمام السياسيين أنّنا سبقناهم وأّنهم كانوا عنّا متأخّرين، لكنّ الأمانة تفضي أن نعترف مجدّدًا بأنّ الثورة التي افترشنا لأجلها الأرض نحن شباب 14 آذار قد افترش لأجلها رفاقٌ وقادةٌ لنا أضرحةً تحت الأرض وناموا واقفين.

لم نكن واضحين، لقد كنّا نجهل نحن شباب 14 آذار بأنّ الحفاظ على النصر أصعب من تحقيقه، كما كنّا نجهل بأنّ مشاريع السلطة أقوى من أحلام الثائرين، لقد تراجع الحالمون وتقدّم الواقعيون.

يوم اندفعتُ حرّكتني بعض حكايا البيت الصغير عن الشهادة، وبعضٌ من صور شهداء المقاومة اللبنانية، وقليلٌ من صوت دافىءٍ كنّا قد سمعناه في خريف العام 1989 يعدنا بأنّ التاريخ لا يُلغى بقرار، واستشهد الرئيس رينيه معوّض وبقي في مسمعي صوته الدافىء، ليستمرّ ذلك الخريف الطويل حتى ربيع العام 2005، يوم أزهر ربيع لبنان في ساحة الرابع عشر من آذار. وأن ننسى لن ننسى رحيق سيّد بكركي، البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي أشاع الأمل قبل سنوات من حلول ذلك الربيع. ثمّ توالت الانكسارات وتفرّق الحالمون ولم يبقَ من ساحة 14 آذار سوى أضرحة وتماثيل.

عدنا إلى زغرتا الزاوية وعقدنا العزم مع رفيقِ نضالنا ميشال رينيه معوّض على تحويل زغرتا الزاوية إلى ساحة حرّية نستعيض بها عن ساحة حرّية فشلت في جمع اللبنانيين. وبقدر قدرتنا على التغيير مشينا في هذا المسار حيث واجهنا بعدها الخيبة والانكسار. وها نحن اليوم في آذار وقد تعلّمنا قليلاً الاحتساب ونحن على أبواب معركة تغيير حسمْنا الخيار…

سنتحالف في جردنا مع أبناء المطران يوسف بشارة في منطقة قنّوبين المقدّسة، وسنتحالف في المقلب الآخر مع إخوة ورفاق الشهيد العقيد جوزف راميا، ومع من تمسّك بنا وبزغرتا الزاوية من رفاق الشهيد سمير وديع. سنتوجّه وسطًا وسنتحالف مع نخبة الشباب في التيار الوطني الحرّ، وسنتحالف حتمًا في زغرتا مع أحفاد البطريرك الدويهي وأحفاد يوسف بك كرم وأحفاد العلّامة المؤرّخ جواد بولس. ولن ننسى في الساحل التحالف مع المقاومين وأبناء المقاومين الذين صدّوا هجوم لواء اليرموك ودافعوا بدمائهم عن زغرتا الزاوية عام 1975. وسنؤكّد على التحالف التاريخي مع إخوة ورفاق الملازم الشهيد غسان عجاج. وعلى قدر قدرتنا سننتصر هذا الربيع، وغدًا في السادس من أيار سنُبعَث أحياء من ساحة حرّية في زغرتا الزاوية إلى كلّ لبنان وسنستمرّ واقفين.

“لم نكن واضحين ولا غامضين ولكنّ أسلوبنا في عبور الشوارع من زمن نحو آخر كان يثير التساؤل من هؤلاء؟”

هؤلاء قومٌ يعبرون الشوارع من زمن إلى آخر فإلى اللقاء في 7 أيار يوم نعود إلى كلّ لبنان منتصرين.