الضربة الغربية لسوريا: ما لها وما عليها! (بقلم رولا حداد)

بين كثرة الآمال والرهانات من جهة وتعاظم المكابرة من جهة أخرى تراوحت ردود الأفعال حيال الضربة الأميركية – البريطانية – الفرنسية لسوريا عقاباً للنظام السوري بعد استخدامه الأسلحة الكيماوية وارتكاب مجزرة في دوما. والخلاصة أن ثمة من خاب أملهم لأن رهاناتهم تجاوزت الواقعية السياسية، وثمة من كابروا مدّعين انتصارات على الغرب ومهددين بردود لأنهم أيضاً لا يقرأون بدقة معالم الجيوستراتيجيا الجديدة التي ترتسم في المنطقة منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

يمكن الجزم بالمعنى العسكري بأن الضربة العسكرية لا معنى جدياً لها ولم تحقق أي أهداف بالمعنى العلمي للكلمة، رغم أن الجميع يعرف أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لو أرادت لأسقطت النظام السوري في 24 ساعة، وليس فقط فجر 14 نيسان بل منذ سنوات طويلة.

أما في القراءة السياسية والجيوستراتيجية فتختلف القراءة جذرياً انطلاقاً من عوامل وعناصر متعددة، نذكر منها:

ـ ما بين استهداف مطار الشعيرات السوري العسكري في نيسان 2017 وضربة 14 نيسان 2018 حصل تطوّر نوعي تمثل في إشراك البريطانيين والفرنسيين بشكل مباشر في العملية إلى جانب القوات الأميركية، بما أكد أن قرار ضرب سوريا هو قرار “أطلسي” وليس قراراً أميركياً صرف، وهذا ما جعل روسيا تتراجع سياسياً عبر التنصّل من بشار الأسد واعتباره “رجل الولايات المتحدة وفرنسا”، وتتراجع أيضاً عسكرياً عن كل تهديداتها بإسقاط الصواريخ أو استهداف منصات إطلاقها، وأيضاً عبر سحب بوارجها الحربية من ميناء طرطوس تفادياً لأي اصطدام مع القوات الغربية.

ـ الاستهداف هذه المرة لم يتم حصراً من صواريخ بعيدة المدى من بارجات حربية في “المتوسط”، بل تم استخدام طائرات مقاتلة بريطانية وفرنسية استخدمت أكثر من قاعدة عسكرية من الأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة وقبرص، بما يؤكد المشاركة الجماعية في العملية ووجود غطاء عربي واضح للضربة.

ـ في السياسة كما في العسكر كان واضحاً التراجع الروسي لمصلحة التقدّم الأميركي- الغربي على الساحة السورية، بما يعني في أقل تقدير إنهاء “الحصرية” الروسية في التعاطي في الملف السوري، وعودة المسار السياسي إلى جنيف بالمعنى العميق للحلول ومن ضمنها عدم إمكان استمرار الأسد في الحكم، والانتهاء من مسارات سوتشي والآستانة التي كانت تتم برعاية ومظلة روسيين.

ـ ويبقى الأساس في تأكيد ترامب بعد الضربة أنها تشكل بداية مسار وليس نهايته، وهذا يعني بالدرجة الأولى توجيه رسائل مباشرة إلى النظام السوري وحليفيه إيران و”حزب الله” بأن الأمور لن تستمر كما كانت عليه، وخصوصاً مع اقتراب إعلان الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران في أيار المقبل، وكل التداعيات المحتملة لمثل هذا الإعلان على المنطقة برمتها.

ـ وأخيراً إن تأييد قطر للضربة العسكرية مؤشر مهم، ما يعني أن قطر لم تعد في المحور الإيراني- السوري رغم استمرار الحصار العربي عليها، وخصوصاً بعد زيارة أمير قطر إلى واشنطن، وتوجيه دعوة إلى قطر للمشاركة في القمة العربية في الظهران في السعودية.

الخلاصة الأولى بعد كل ما تقدّم أن الضربة الأميركية – البريطانية – الفرنسية على مواقع تابعة للنظام السوري أعادت رسم التوازنات على الخريطة السورية والإقليمية وفق معادلات جديدة، على أن تتم قراءة مفاعيل الضربة ونتائجها في السياسة وليس في العسكر، وهو ما فعلته موسكو على الأرجح، وكل البقية تفاصيل…