• Subscribe to newsletter

توازن رعب الفساد (بقلم بسام أبو زيد)

يتصاعد مجددا الحديث في لبنان عن مكافحة الفساد، ويتسابق الفرقاء السياسيون على الادعاء بأنهم سيكونون رأس حربة في مواجهة هذه المعضلة المزمنة.

هذا الكلام هو من الأمور الجيدة التي تحصل في البلد، ولكنه غير كاف كي يكون حقيقة فعلية إذ إن معظم الذين يرفعون اليوم راية مكافحة الفساد هم في الحكم والحكومة منذ عشرات السنوات ولم يحركوا طوال تلك الفترة ساكنا من أجل القضاء على الفساد والمفسدين وهم في غالبيتهم بين صفوفهم وحتى أنهم معروفون لديهم بالإسم، فهل هناك من تبدل حقيقي وعملي في موقف هؤلاء؟

الإجابة على هذا السؤال ستتم بعد تشكيل الحكومة العتيدة، والمؤشرات السلبية أو الايجابية ستبدأ بالظهور مع إعلان أسماء التشكيلة الحكومية مرورا بالبيان الوزاري وصولا إلى تطبيق مبدأ المحاسبة من خلال الثواب والعقاب.

في الحكومة العتيدة لا يمكن تكرار وجوه إنطبع في ذهن الرأي العام أنها متورطة في الفساد، ولا يمكن للرأي العام أن يصدق هذه المقولة إذا استمر التراشق بين أطراف في الحكومة باتهامات السرقة وهدر المال العام من دون أن يحرك كبار المسؤولين ساكنا ويوضحون للرأي العام حقيقة هذه الاتهامات. وهنا لا بد من التوقف عند دور القضاء الذي يتوجب عليه أن يتحرك تلقائيا بمجرد ان يتبادل مسؤولون اتهامات بالسرقة والفساد لا سيما وان المحاسبة في مجلس النواب معطلة بفعل حكومات الوحدة الوطنية ومشاركة الجميع في الحكم.

إن مواجهة الفساد والفاسدين ليست معركة موسمية ولا يجب ان يكون طرحها محاولة لامتصاص نقمة لدى رأي عام سمع الكثير منذ عشرات السنوات عن هذه القضية ولم ير أي ترجمة فعلية لضبط الوضع من قبل الذين استفاقوا اليوم وربما كانوا في السابق لا يرغبون في رؤية الحقائق او أنهم تغاضوا عنها لأسباب سياسية أو طائفية.

إن مكافحة الفساد وهدر المال العام تقتضي تنازلات من قبل فرقاء سياسيين استفادوا من مواقع القوة في الدولة، فحشروا فيها أزلامهم وأمنوا لهم الحمايات التي خولتهم ان يتحكموا برقاب المواطنين ويجنوا ثروات من خلال تمرير كل ما هو غير قانوني وربط مصير الإدارات والمؤسسات والمذاهب والأحزاب  بمصيرهم، حتى وكأنهم تحولوا إلى زاوية من زوايا الوطن إن سقطت سقط الجميع معها.

نعم لقد تحول الفساد في لبنان إلى ركيزة من ركائز بقاء هذه الدولة الفاشلة، باعتبار أن المس بأحد الفاسدين أصبح يعتبر مسا بزعيم وطائفة وحزب، وبالتالي يترتب على ذلك مواجهة سياسية وفي الشارع تكاد تودي بالوطن إلى المجهول، وهذا ما يصطلح على تسميته بتوازن رعب الفساد الذي يحفظ استقرار أمن البلد.

إنها معادلة غربية ولكنها في لبنان موجودة وواقعية والخلاص منها يحتاج الى معجزة بالفعل لا بالقول.