تراوح اتصالات التأليف مكانها وأي تقدم، ولو طفيف، لم يتحقق على الطريق الى الحكومة العتيدة، على رغم كل الاجواء التفاؤلية التي تُضخ بين الفينة والاخرى فوق ضفة التشكيل، من قِبل رئيس الحكومة المكلف، ورغم ما ينقل عن رئيس الجمهورية ميشال عون حول “حسم” على هذا الصعيد ستشهده الأيام القليلة المقبلة.
والواقع، ان ما حملته الساعات الماضية من تطورات ومستجدات ومواقف، نقلت أسباب “الجمود” الحاصل حكوميا، من الصراع على الحصص والاحجام والحقائب الوزارية، الى الكباش على “سياسة” الحكومة المقبلة، ما زاد الازمة تعقيدا، وفق ما تقول مصادر سياسية “سيادية” مراقبة لـ”المركزية”. فاذا كانت معضلة “شكل” مجلس الوزراء قابلة للحل بتسويات وتنازلات وتبادل مقاعد بين الاطراف مثلا، فإن الخلاف على “باطنه” أي على خياراته ومشاريعه للمرحلة المقبلة، محليا واقليميا ودوليا، غير قابل للعلاج بالسهولة نفسها، وهو يكاد في الواقع يضع العهد كلّه على المحك.
فإلى الدعوات المتصاعدة الى وضع “النأي بالنفس” جانبا واعادة تفعيل العلاقات اللبنانية – السورية، من باب إعادة النازحين السوريين الى بلادهم ولإنعاش الحركة التجارية والاقتصادية اللبنانية أيضا – وهو ما تطالب به جهاتٌ كثيرة من “التيار الوطني الحر” الى “حزب الله” فـ”حركة أمل” التي رأى رئيسها نبيه بري ان “الحديث عن عدم التنسيق مع سوريا “مسخرة يجب أن تنتهي”- والتي تتهدد “جوهر” التسوية الرئاسية التي أوصلت العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية والحريري الى السراي، والتي على اساسها عاد الاخير عن استقالته في تشرين الماضي، من جهة، وما نسب الى زوار قصر بعبدا اليوم عن امتعاض من تجاوز الحريري الرئاسة الاولى في مسألة التنسيق مع روسيا في “ملف النازحين”، من جهة ثانية، والتلويح بإمكان سحب التكليف منه من ناحية ثالثة… أخرجَ الفريق عينه في الساعات الماضية، “أرنبا” جديدا من قبّعته، عنوانه محاربة المحكمة الدولية، من خلال “إطلاق “الحملة الوطنيّة لإلغاء المحكمة الخاصة بلبنان”.
هذا الملف الشائك بامتياز والذي يصيب الحريري بالصميم، تؤكد المصادر انه يُضاف الى مسار سياسي شامل يبدو انطلق في أعقاب الانتخابات النيابية هدفه “محاصرة” الرئيس المكلف وتكثيف الضغوط عليه، ليرضخ للأمر السياسي الواقع الجديد الذي انتقلت فيه الاكثرية في البرلمان الى فريق 8 آذار، اذا ثبت فعلا ان “التيار الوطني” من صلبه ويتبنى خياراته علنا (لاسيما في ما يخص التطبيع مع سوريا بعد ما قاله رئيسه الوزير جبران باسيل في هذا الخصوص السبت الماضي).
وعليه، المطلوب من الحريري ترك التفاهم الرئاسي في نسخته الاولى، والذي كانت سيبته “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”، والانضمام اليه في نسخته الجديدة التي تقوم على ثنائي “التيار الوطني” – “حزب الله”، فيقدّم تشكيلةً وزارية تتلاقى وهذا التطور من حيث القالَب (ثلث معطل لهذا الفريق) والقلب (بيان وزاري خال من النأي والحياد والاستراتيجية الدفاعية و”المحكمة الدولية”، وغنيّ بمفردات التطبيع مع سوريا والتمسك بدور “المقاومة” في تحرير الارض الى جانب الجيش والشعب).
فهل يقبل الرئيس الحريري بالانتقال الى الخندق الآخر؟ قطعا لا، تجيب المصادر. فلا حكومة ميّالة لـ8 آذار بل تركيبة تعكس التمثيل الصحيح لكل الأطراف، أما التخلي عن النأي بالنفس أو الحياد فغير وارد في قاموسه. وما لم يقتنع الجميع بإعادة الاعتبار الى قواعد التسوية الرئاسية الاصلية، سيكون عمر تصريف الاعمال طويلا، تختم المصادر.