عن المقدّم الشهيد عبدو جاسر وإليه (بقلم طوني شديد)

“زمجرْ بغضب وارفع راية المعسكر عالياً، الكتيبة سابعة، السَرية أولى”، والدفعة 41 ولبنان هو العرين، ولكلّ عرينٍ أسد، وتلك المرّة كان عبدو جاسر أسدَ ذاك العرين…

أعود بعد نشيد معسكر التدريب وتعود بي الذاكرة إلى خريف العام 2003 يوم التحقتُ بمعسكر التدريب الثاني في عرمان لتأدية الخدمة العسكرية التي اعتبرناها عن جهلٍ يومها بأنّها اغتصابٌ لحرّيتنا وعائقٌ أمام مستقبلنا العظيم، إلى أن تعرّفتُ إلى النقيب عبدو جاسر آمر سريّتنا الذي ما زلت أتمنّى حتى اليوم لو أنّي لم أتعرّف عليه.

توجّه إلينا النقيب عبدو جاسر في مستهلّ الدورة آنذاك قائلاً “يا شباب لا تعتقدوا أنكم هنا لضياع سنة من عمركم، ولا تيأسوا من أدائكم للخدمة العسكرية، فأنتم هنا ولأوّل مرّة شباب من كل المناطق ومن كل الطوائف ومن مختلف الانتماءات تجمعُكم البدلة العسكرية التي وحدها تجمع كلّ لبنان، تعرّفوا إلى بعضكم وتعرّفوا على الحياة العسكرية التي تصنع منكم الرجال الرجال…

تعلّمتُ منك عشق المؤسّسة العسكرية يا “صديقي عبدو”، كما كنتَ تحبّ أن أناديك، بعد تسريحي من الخدمة، وعرفتُ فيك رجلاً يجمع في شخصيته كلّ الطوائف وكلّ المناطق؛ ورجلاً لبسَتْه البدلة العسكرية قبل أن يلبسها ولم تكفِه هذة البدلة حتّى لبس فوقها نعشَه ملفوفاً بعلم لبنان، ومضى تماماً  كما يمضي حلمٌ في ليالي شبابٍ حالمين.

ما زلتُ أحتفظ لأجلك حتّى يومنا هذا بكلمة نهاية الدورة يوم كلَّفتَني إلقاء كلمة رفاقي العسكريين في احتفال التخرّج؛ هذه الكلمة التي سعيتَ من خلالها إلى منحي تهنئة قائد المعسكر عليها، والمكافأة كانت إجازة ليومين في المنزل والتي كانت يومذاك أجمل مكافأة يحظى بها مجنّدٌ شديد الكسل مثلي.

كيف بإمكاني أن أنسى يوم حاولتَ بشتّى الوسائل إلغاء قرار صادر عن سلطة الوصاية اللبنانية السورية آنذاك والقاضي بتوقيف مجنّدٍ كان يبلغ من العمر ثمانية عشرة عاماً وبنقله من المعسكر إلى أمانة الأركان، والتهمة كانت انتماء ذوي هذا المجنّد إلى حزبٍ محظور، وبعد أن باءت كلّ اتصالاتك بالفشل بكى المجنّد وبكيتَ بعد مغادرته عليه.

عبدو جاسر، أيّها السياديّ المتأهّب لاستشهادك منذ البداية، كيف ننسى يوم أخبرتَنا أنا ورفيقي في الخدمة أنيس المكاري أنّك، يوم مثلْتَ أمام اللجنة الفاحصة في امتحان التطوّع للمدرسة الحربية، قلتَ لهم يومها بأنّك تريد الدخول إلى المدرسة الحربية لكي تموت شهيداً، وكان لك ما أردت. ذُهلنا يوم أُذيع خبر استشهادك حتّى أنّي بادرتُ يومها إلى الإتصال بصديقي أنيس المكاري لأقول له “هل تذكر ماذا قال لنا عبدو جاسر منذ سنوات عن أنّه تطوّع لكي يموت شهيداً!”

عبدو جاسر، أيها السيادي المتأهّب لاستشهادك منذ البداية، أتوقّف دوماً لأتأمّل في عبرة استشهادك، وغالباً ما آسف على ضياع شبابك وعلى سقوطك مع رفاق سلاحٍ لك في المؤسّسة العسكرية على قارعة الأيام، ذكرى تكاد تنحصر حرقتُها في قلوب العائلة الصغيرة وبعض الأصدقاء والرفاق، وأكاد لضعف إيماننا أقتنع بأنّ شهادتك قد تكون عبثيةً في وطن تقلّ فيه القيم وتكثر فيه التسويات والصفقات، لذلك دعني “يا صديقي عبدو” ونحن على مقربة ساعاتٍ من عيد الجيش أبرم معك صفقةً صغيرة لا ربح فيها إلاّ لأجيالنا القادمة وللبنان، والصفقة مفادُها أنّي سوف أخبر عنك أولادي عندما يكبرون ومن خلالك سيتعلّمون حبّ لبنان،

سوف أخبر عنك رفاقي في حركة الاستقلال أحفاد المدرسة الشهابية، وسوف أقول لهم بأنّ مدرسة فؤاد شهاب لا تزال تنتج ضبّاطاً أبطالاً كـ”عبدو جاسر” يموتون لأجل استعادة هيبة الدولة في لبنان،

سوف أخبر عنك نفسي في كلّ مرّةٍ أضعف أمام واقعيّة الحياة ومادّيتها، لأعودَ وأقتنع بأن لا قيمة للإنسان بلا مُثلٍ عليا كتلك المُثل التي رفعتْكَ شهيداً ودفعتْني إلى كتابة هذه المقالة عنك وإليك …