تحذيرات معوّض لبلدية زغرتا… الفرصة الجدية الأخيرة! (رولان خاطر)

تحقيق رولان خاطر

دوّت كلمة رئيس “حركة الاستقلال” النائب ميشال معوّض خلال العشاء السنوي لجمعية المساعدات الاجتماعية في إهدن برقاً ورعداً في ثنايا السياسة الداخلية في زغرتا. “سنرفع الغطاء السياسي عن البلدية، وسيترجم هذا القرار من خلال استقالات وخطوات واضحة وعلنية مقبلة، “اذا” لم تتم العودة الى احترام الاتفاقات السابقة المعقودة على مستوى بلدية زغرتا واتحاد البلديات”.

كلام قوي، من زعيم زغرتاوي عرف كيف يعيد التوازن إلى زغرتا الزاوية، كما عرف جيدا كيف يقرأ حروف السياسة اللبنانية التي تُكتب بلغة واحدة إنما بأشكال متعدّدة. لكن، من يراقب كلام الرجل، يرى أنه، حتى هذه الساعة، ورغم كل النكث بالعهود، والانقلاب على الاتفاقات، ربط الاستقالة بمدة زمنية ولو محدودة، واضعاً “إذا” الشرطية، إذ أعطى مهلة لتصحيح الوضع قبل الاستقالة الكاملة.

أما محاولات تيار المردة عبر بعض “الصفحات الصفراء” لتشويه الواقع فهي غير موفقة للهروب الى الأمام و”تغطية السموات بالقبوات”، وتغطية الفشل والفساد القائم في البلدية والذي يثير استياء الزغرتاويين من كل الاتجاهات. فلو كان إعلان معوّض بـ”الاستقالة” من المجلس البلدي يندرج ضمن السياق السياسي لكان سهل عليه اتخاذ موقفه هذا قبل الانتخابات النيابية وليس بعدها، والاستفادة منه خلال الانتخابات النيابية، لكن كان هناك إصرار من قبله على فصل الموقف السياسي عن الموقف الإنمائي، لذا فإن الاعلان اليوم هو موقف إنمائي بحت، خصوصاً أن ثمة عدداً من الملفات الأخرى يتعاون فيها مع “المردة” مثل ملف نادي السلام-زغرتا، وتنتج حلولا عدة. لكن، في الملف البلدي، الأمر يختلف. فمعوض دخل إلى البلدية بتفاهم لتحييد “السياسة” عن البلدية، وتحويلها لمؤسسة للانماء، إلا ان تجربة السنتين أكدت أن أجندة “المردة” تختلف جذرياً عما اتفق عليه، وهو يصر أي المردة على استخدام البلدية كأداة للانتخابات والرشاوى والزبائنية والتوظيف العشوائي.

موقف معوض ليس بجديد، فهو للتذكير، بدأ داخليا، مع الاعتراضات التي كانت تحصل في المجلس البلدي منذ ما بعد انتهاء الانتخابات البلدية، ومن ثم خارجياً، مع إنشاء ما يسمّى “المعارضة البلدية” منذ أكثر من سنة، وتم تأجيل موضوع “الاستقالة” الى ما بعد الانتخابات النيابية لفصل المسار السياسي عن المسار الانمائي. وحتى خلال الاجتماع الذي عُقد لنواب زغرتا الزاوية بدعوة من رعية زغرتا في أواخر حزيران الماضي، أكد معوض نيته التوجه الى الاستقالة إذا لم يتم تصحيح الوضع والعودة الى جوهر الاتفاق البلدي، فتم التفاهم على محاولة معالجة ومتابعة الوضع لمصلحة الجميع. إلا أنه لم تظهر أي نية أو أي خطوة عملية من الطرف الآخر سوى مبادرة من قبل الرعية قبل يومين من عشاء جمعية المساعدات الاجتماعية في إهدن، ومع ذلك تجاوب معوض مع المبادرة ولم يعلن الاستقالة النهائية كما كان مقرراً ليعطي هذه المبادرة فرصة جدية وأخيرة. أما عن الاتهامات السياسية فتقول أوساط معوض: “يجربونا ويلتزموا بالاتفاقات ويصلّوا ويشوفوا إذا عم نشتغل سياسة”!

“التيار”… “قميص عثمان”!

خلفيات معوّض الشفافة واضحة باالكلمة وبالفعل، فهو أصرّ دائماً على الحفاظ على أفضل العلاقات مع النائب طوني فرنجية رغم الخلاف في النهج السياسي، ودائماً من اجل مصلحة زغرتا الزاوية، وقد جاء الاتصال الودي الذي حصل بينهما، والذي دعا فيه معوض فرنجية إلى العشاء الذي أقامته “جمعية المساعدات الاجتماعية” في إهدن الجمعة 10 آب، والذي تخلله الكثير من “الضحك والمزاح”، خير إثبات، على أنّ الرجل لا يخرج عن قاموس الاحترام والأصول السياسية، مع العلم، أن معوّض عندما سأله فرنجية ما اذا كان سيهاجمه، رد قائلا: “أنت طبعاً لا. لكنني سأهاجم البلدية وأداءها حتماً، وضحك الاثنان”.

يجدد مقربون من معوّض التأكيد أن الرجل لا يخضع، لا يساوم، ولا يتنازل عن المبادئ، وتاريخه البعيد والقريب شاهد على ذلك، وبالتالي، فإن أمر العمليات الوحيد الذي يخضع له، هو من غرفة عمليات قناعاته الراسخة، ومعتقداته الوطنية.

وذكّرت المصادر المقربة من معوّض أن المعارضة البلدية نشأت قبل التحالف الانتخابي والسياسي مع “التيار الوطني الحرّ”، وان موضوع الاستقالة كان مطروحاً قبل وصول الحلفاء الجدد إلى دارة الرئيس رينه معوّض، وبالتالي، فإن زجّ “التيار الوطني الحرّ” هو بمثابة “قميص عثمان”، لتسييس الموضوع، ولعدم تحمّلهم مسؤولية الفشل الانمائي. فميشال معوّض قام بانقلاب ايجابي كبير في الانتخابات البلدية يسجله تاريخ زغرتا يوم أرسى التوافق مع “تيار المردة”، من أجل أن يجنّب زغرتا الزاوية نتائج أي معركة سياسية- رئاسية على أرضها. وكل ما هدف إليه هو بلدية واتحاد بلديات ونهج إنمائي يحترم جميع أهل زغرتا الزاوية ويساوي بينهم تحت سقف القانون، ولا تكون باباً سائباً للزبائنية السياسية.

ولمن يتهم معوّض بأنه نسي الهم الانمائي وتفرغ للنيابة، فالنائب الشاب الذي تمرس بالعمل الانمائي منذ بداية عمله في الشأن العام، ودوره في “مؤسسة رينه معوض” التي حققت الإنجازات على مستوى كل لبنان خير دليل، ومعوض بادر الى عقد اجتماع بعد انتخابه فوراً مع رؤساء بلديات ساحل قضاء زغرتا لاستكمال رفع التلوث عن نهر رشعين والوصول الى حل دائم شامل وجذري في موضوع المياه والصرف الصحي لزغرتا وكل قرى قضاء زغرتا.

وهو كشف انه بصدد تشكيل لقاء يضم كل مكونات زغرتا الزاوية الجغرافية والأهلية، لوضع برامج مشتركة وسياسات عامة وإنماء زغرتا وكل قرى وبلدات الزاوية. ومشروع تصدير البطاطا إلى هولندا والسوق الأوروبية خير إثبات.

 

فشل فكري إنمائي!

هذا الواقع، يؤكد أن أسباب الذهاب نحو خيار الاستقالة من البلدية، وتأكيده في الوقت نفسه أنه جاهز للتعاون مع كل الأطراف الزغرتاوية لخدمة زغرتا الزاوية، هي لأسباب انمائية وليست سياسية كما يريد البعض أن يصورها، تغطية على فشله الفكري في الانماء، وإلا لاستجابوا لمطالب “الأعضاء الخمسة” الذين يشكلون “المعارضة البلدية”، ونشروا ما يقولون إنها مشاريع ينفذها المجلس البلدي على الأرض، على الصعد كافة، السياحية والثقافية والانمائية، فإذا كانوا فعلا يعتبرون أن مجرد دعم “مهرجان البيرة” على سبيل المثال في قلب ساحة الميدان هو إنجاز سياحي وثقافي، فهذه مصيبة، وبالتالي هم مخطئون، لا بل فاشلون إنمائياً وثقافياً وسياحياً.

والسؤال الأبرز كيف تكون هناك نشاطات سياحية والبنى التحتية غير مؤمّنة، المياه مقطوعة، المشاريع المستدامة مفقودة؟ بالاضافة الى ذلك، لماذا يمتنعون كمجلس بلدي وكرئيس بلدية عن نشر ميزانية البلدية في الموقع الالكتروني للبلدية؟ نعم، يقول المصدر: “قاطعنا جلسات المجلس البلدي لأننا رفضنا ونرفض ان نكون شهود زور ولذلك اعلنا المعارضة الداخلية”.

شهود زور على ماذا؟

أولا، النكث بالوعود: ففريق “المردة” نكث بالوعد المعلن على مستوى رئاسة اتحاد البلديات، حيث كان الاتفاق المجيء برئيس بلدية سبعل الدكتور حبيب طربيه. مسألة الاتحاد ليست مسألة سياسية انما انمائية بحت كون اتحاد البلديات هو الأساس في وضع كل السياسات الإنمائية في قضاء زغرتا، من هنا بدأت الاشكالات وتسييس الإنماء من قبل تيار المردة وصولا إلى محاولات إفشال مبادرات ميشال معوّض الإنمائية.

فعلى سبيل المثال، أفشل رئيس الاتحاد زعني مخاييل خير العديد من المشاريع الانمائية التي حاول معوّض تقديمها، منها مشروع تصل قيمته الى 4 مليون يورو لتنظيف نهر ابو علي وادارة النفايات الصلبة لمنطقة زغرتا. رئيس الاتحاد سحب توقيعه مع دخول المشروع مرحلته الثانية، فتوقف. وهناك الكثير من المشاريع التي قدمت من قبل ميشال معوض، لم يسمح بأن تمر لا على مستوى الاتحاد وعلى على مستوى المجلس البلدي.

ثانيا، العمل على مأسسة البلدية: وهو الأمر الذي يحدّ من المحسوبية والهدر والفساد، ومن ضمنها ملفات الموظفين. إذ هناك موظفون لا يعملون ويقبضون رواتبهم. كما هناك متقاعدون لم يصرفوا من الخدمة بعد. والنتيجة أن البلدية تدفع ثمناً لخدمات وأعمال لأطراف وأشخاص خارج البلدية لأن ثمة موظفين يتقاضون رواتب ولا يعملون أو لا يتقنون القيام بأعمالهم. تم تقديم تكراراً لائحة لرئيس البلدية باسم هؤلاء جميعا، فوعد بالحلّ الذي لم يأت حتى الساعة. وبقي الاعتراض أنه لا يجوز أن يستفيد عدد من الموظفين الذين لا يعملون على حساب زغرتا كلها.

ثالثاً، التكليف: هناك جداول تكليف الرسوم من المواطنين، والتي تطبق من دون ضوابط ولا معايير وبانتهاك فاضح للقوانين، حيث تسود الاستنسابية في مسألة الضرائب، بمعنى أوضح، هناك كثير من المؤسسات التابعة لسياسة “المردة”، إما تُخفض نسبة الضرائب المحصلّة منها، وإما تلغى، وهذا هي الفضيحة الكبرى، إذ يتم شطبها عن قوائم التكليف، وعلى سبيل المثال مشروع Mist hotel، مع العلم أنه من أفخم الفنادق وأهمها، لكن مالكه من أهم رموز “المردة” وشريك رئيس البلدية في عدد من المستشفيات، هذا الفندق غير موجود على رسوم التكليف نهائيا ومعفى عمليا ومن دون سبب من دفع الضرائب البلدية، وهذا مثال من عشرات الأمثلة الفاضحة.

من هنا، فإن هذه المسألة تطرح إشكالية كبرى، إذ أن أحداً لا يعلم كيف تُحصّل الضرائب ومن يضع المعايير ووفق أي ضوابط. “المعارضة البلدية” التي نبهت المواطنين إلى ما يجري والتحقق مما يدفعون، كانت عرضت كل تلك المخالفات بشكل موثق على رئيس البلدية، الذي كالعادة وعد بالحل، من دون ان يحلّ. ولا يزال التكليف ينفذ حتى الان بطريقة غير قانونية.

رابعاً، المشتريات: رفض الأعضاء المعارضين ان يكونوا شهود زور على صفقات مالية وخدماتية كبيرة، تتعلق بلوازم وأشغال وخدمات غير قانونية. وفي المرحلة الأولى ولتمرير هذه الصفقات كانوا يتخطون لجنة المشتريات خلافاً للقوانين لأن للمعارضة عضواً فيها، قبل أن ينقلبوا لاحقاً ليخرجوا المعارضة من كل اللجان الأساسية ويستبيحوا كل شيء. ومن الأمثلة- الفضائح في هذا الإطار موضوع المسح السكاني في زغرتا، والذي يشكل أساساً لأي عمل إنمائي، وتم بالتراضي تكليف شركة مالكها من آل فرنجية ولا تملك أي خبرة في المسح للقيام بالمسح خلال 3 أشهر، وبقيمة تفوق الـ50 مليون ليرة ويمكن أن تصل الى الـ100 مليون لأنه يتقاضى على الاستمارة ورغم اعتراضات المعارضة، ومرّ أكثر من سنة و5 أشهر والمسح أصبح في خبر كان!

الأمثلة والوقائع  عن المخالفات لا تنتهي وتصلح لنشرها في مجلدات، والخلاصة تأكيد انقلاب “المردة” على الشراكة والاتفاقات المعقودة، والنتيجة فشل وفساد وزبائنية على حساب أهل زغرتا وكراماتهم والإنماء الموعود. بهذا المعنى يخوض معوّض معركة كل زغرتا والزغرتاويين وحقوقهم في وجه قلة قليلة من المستفيدين بمنطق الزبائنية الضيق، ويبدو أن الخطوة الأولى من هذه المسيرة تحققت، والمسيرة مستمرة.

وإذا كانت استقالة أعضاء البلدية المحسوبين على “حركة الاستقلال” لا تُسقط البلدية قانوناً، إلا أنها تسقطها أخلاقياً وتسقطها أيضاً بمعنى سقوط الشراكة التي تم انتخابها على أساسها.