• Subscribe to newsletter

محكمة لبنان (بقلم بسام أبو زيد)

عندما تتواجد في المحكمة الدولية الخاصة في لبنان في لاهاي، تستعيد تلقائيا تفاصيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري والأجواء التي سبقت هذا الاغتيال وتلته، وإن غاب عن ذهنك اي تفصيل أو حدث من تلك الفترة فإن المتحدثين أمام المحكمة كفيلون بأن يذكرونك به.

يؤكد كل ما يجري أمام هذه المحكمة أن جريمة اغتيال الرئيس الحريري هي جريمة سياسية بأهدافها وباستهدافها لهذه الشخصية، وإذا كان هناك من متهمين ينتمون إلى “حزب الله”، فإن إدانتهم إذا حصلت ستفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة سيطرحها اللبنانيون والمجتمع الدولي، وأبرزها من هي الدولة التي أمرت باغتيال الحريري؟ وهل ستسمي المحكمة هذه الدولة ومسؤوليها في حيثيات الحكم؟ وهل سيفتح هذا الأمر إن حصل الباب لمحاسبة هؤلاء، لاسيما وأن المحكمة موجودة تحت الفصل السابع؟ هل سيكون هناك تعديلات على نظامها تتيح لها اتهام دول وأحزاب؟

كان لافتا في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبحسب أدلة الادعاء أن مراقبته قد بدأت في اليوم الثاني على استقالته من منصبه في الحكومة في 20 تشرين الأول 2004، ما يعني أن قرار استقالته قد سرع في عملية اغتياله، إذ يبدو أنه لم يكن مسموحا للرئيس الحريري أن يخرج في ذاك الوقت عن سلطة من كانوا يتحكمون بلبنان، فاتخذ القرار بالتخلص منه سريعا.

وقد كان واضحا في سياق الحديث في المحكمة أن الادعاء يتهم سياسيا وفي شكل مباشر النظام السوري و”حزب الله”، وهو اتهام غير مدرج في القرار الاتهامي بوضوح ولكنه موجود من خلال استنتاجات يصل إليها الجميع، وهي مرتبطة أولا بأسماء المتهمين وانتمائهم إلى “حزب الله” ومهامهم فيه وقد شكلوا الأداة التنفيذية بحسب الادعاء، في حين أن القرار أتى من الجهة السياسية التي كانت تمسك بالبلد.

إن الحكم الذي سيصدر في قضية الرئيس رفيق الحريري بالإدانة أو بالبراءة ستكون له تداعيات كبيرة على الساحة اللبنانية رغم كل الكلام المعسول بين الأطراف السياسية المعنية كضحية وكمتهمين. وإذا كانت أكثرية في المحكمة وخارجها ترجح الإدانة، فإن حكما كهذا سيرفع الأصوات التي ستطالب بمحاسبة الجهات السياسية المسؤولة والتي ستصبح التهمة مكرسة في حقها ولو في الحيثيات، فالمحرضون على أي جريمة يحاسبون كما يحاسب المنفذ لأنه ما كان ليقدم على ذلك لو لم يأمره المحرضون والمخططون، وهم قاموا بذلك عن سابق تصور وتصميم عارفين أن الضحية ستكون الرئيس رفيق الحريري، وأن عشرات الشهداء سيسقطون معه وكذلك مئات الجرحى إضافة إلى الخراب والدمار، وكل ذلك لم يكن كافيا لردعهم فارتكبوا ما ارتكبوه في وضح النهار وفي وسط المدينة.

المحكمة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وفي حال حصول الإدانة لن تشكل مظلة حماية من الاغتيالات كما يتمنى البعض، فالمحكمة وجدت والقرار الاتهامي صدر واستمرت الاغتيالات، هي ستكون فقط الصوت الذي سيقول للعالم إن الاغتيال السياسي جزء من لا يتجزأ من نظام السيطرة على لبنان من خارجه وداخله، وإن الوسيلة الوحيدة المتاحة لوقف ذلك هو أن يقتنع من ينفذ عمليات كهذه لمصلحة أي طرف أن القتل في لبنان لا يلغي أي جهة أو حزب أو مجموعة أو حتى أشخاص، فحتى هؤلاء ولو أصبحوا تحت التراب ستبقى أصواتهم وكلماتهم تتردد وتقض مضاجع القتلة.