IMLebanon

قراءة في الجلسة التشريعية: “الإسكان” حل ولكن …

بأقل الأضرار الممكنة، تجاوز مجلس النواب المنعقد في هيئته العامة على مدى اليومين الماضيين قطوع تشريع الضرورة، على رغم كل الاشكالات والتساؤلات الدستورية التي أثارها، وإن كان البرلمان نجح في إقرار حل موقت لأزمة الاسكان عبر إقرار اعتماد إضافي لوزارة الشؤون الاجتماعية بقيمة 100 مليار ليرة لبنانية لدعم الفوائد على قروض الاسكان الممولة بالتعاون بين المؤسسة العامة للإسكان والمصارف التجارية، علما أن المجلس لم يتخلص من كرة نار أزمة الاسكان بالكامل، بل حل جزءا منها بشكل موقت، وقذفها بعيدا، في مرمى الحكومة المقبلة، من باب ضرورة وضع سياسة إسكانية جديدة.

قد يقول قائل إن نجاح المجلس النيابي في إقرار هذا البند تحديدا من جدول الأعمال، يكون نواب الأمة قد حققوا الهدف المنشود مما يسمى تشريع الضرورة، وإن كان هذا المصطلح قد ابتدع لتبرير عقد الجلسات ذات الطابع التشريعي، في غياب حكومة كاملة الأوصاف والمسؤوليات.

غير أنه قد يكون من الظلم بمكان حصر ايجابيات اليومين التشريعيين الأخيرين بحل مشكلة الاسكان. ذلك أن المجلس وتماشياً مع الضغط المتأتي من مؤتمر “سيدر” وأقر عددا لا يستهان به من الاصلاحات التي يعتبرها المجتمع الدولي شروطا أساسية لاستفادة لبنان من رزمة المساعدات الدولية التي خصصتها الدول المانحة للبنان في باريس في 6 نيسان الفائت، فكان أن قفز نواب الأمة فوق الاعتراض الكتائبي والنائب جميل السيد لإقرار رزمة من القروض الهادفة إلى تحسين إدارة المستشفيات، ومشاريع الصرف الصحي في نهر الغدير، على سبيل المثال لا الحصر. خطوات رأى فيها رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل ديونا إضافية على لبنان الغارق في عجزه الآخذ في التفاقم، في وقت اعتبر زميله العوني الياس بوصعب أن هذه الديون تفيد اللاجئ السوري أولا، ما دفع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري إلى الخروج عن طوره وهدوئه المعتاد ليذكر بأن الجلسة النيابية مخصصة للمساعدات المقرة في سيدر التي يستفيد منها اللبنانيون واللاجئون على السواء، وقال بالعامية: إذا ما بدكن “سيدر”، أنا ما رح كون بالمجلس”، في موقف زادت من أهميته جرعة الدعم المفاجئة التي تلقاها الحريري من خصمه اللدود، حزب الله على لسان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد. على أن أهم ما في الأمر يكمن في أن الحريري لم يتأخر في ترجمة تهديده هذا فكان أن غاب عن الجلسة المسائية أمس. علما أن كل الأجواء التي سبقت الجولة الأخيرة من تشريع الضرورة كانت تشير إلى أن كتلة المستقبل قد تكتفي بالتصويت على الاقتراح المخصص للإسكان، وتنسحب من الجلسة، باعتبار أن البنود المتبقية من جدول الأعمال لا يمكن إدراجها في خانة تشريع الضرورة. وهو ما حصل فعلا، حيث خرج نواب المستقبل، لرفض البحث (من خارج جدول الأعمال) في قرضين مقدمين من البنك الدولي لمرفأ طرابلس، فيما انسحب أعضاء تكتل الجمهورية القوية لرفض بحث مشروع القانون المعجل المكرر المتعلق بفتح اعتماد في موازنة وزارة الصحة لتغطية نفقات شراء أدوية الأمراض السرطانية والمستعصية، طبقا لما كان طالب به النائب زياد الحواط، منذ إنطلاق الجلسة يوم الاثنين الفائت، في كلمته في إطار ما يعرف بـ “الأوراق الواردة”، أي مداخلات النواب قبل الانطلاق في مناقشات جدول الأعمال.

وأبعد من السجالات ذات الطابع السياسي التي أثارتها البلبلة في القاعة العامة أمس، لا يختلف إثنان على أن هذا المشهد كشف شك استنسابية هيئة مكتب المجلس في وضع جدول أعمال الجلسات التشريعية، كما غياب التحديد الواضح والصريح لمفهوم “تشريع الضرورة”، خصوصا لجهة تفسير صفة الضرورة ومعايير تطبيقها على مشاريع واقتراحات القوانين الموضوعة على “المشرحة” النيابية. بدليل أن الجلسة الضرورية لم تبحث في أمور متصلة بصحة الناس وحياتهم اليومية وأعطت الاولوية لبنود قد لا تكون بالأهمية نفسها كتغيير اسم إحدى القرى، وتنظيم مزاولة بعض المهن، وإعفاء السيارات المتضررة من أحداث نهر البارد وحرب تموز من رسوم الميكانيك، وهي قوانين تقدمت حتى على اقتراح القانون المرتبط بالمفقودين قسرا، الذي وضع في آخر الجدول، فيما كان يفترض بالمسؤولين محاولة ختم هذا الجرح النازف منذ عشرات السنين، على رغم مرور أكثر من ربع قرن على انتهاء الحرب الأهلية. ولم يتمكن المجلس ايضا من إقرار بنود تتعلق بتسوية أوضاع عقداء في الأمن العام، ورتباء وخفراء وعقداء في الضابطة الجمركية، كما بإنشاء صندوق تقاعدي لتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، وتحويل سلاسل القضاة.

وإذا كانت الهيئة النيابية قفزت فوق قضية المفقودين، فإن بعض النواب، كعضو كتلة التنمية والتحرير النائب ياسين جابر، بدوا حريصين على عدم الخوض في الملفات الخلافية كالكهرباء، على رغم تسريب الفيديو الشهير حيث ينتقد جابر بعنف وزير الطاقة سيزار أبي خليل ومعه العهد، على خلفية ملف الكهرباء قبل ساعات من الجلسة، في وقت اغتنم خصوم الرئيس المكلف فرصة الأوراق الواردة للقنص في اتجاهه وانتقاد البطء الذي يعتري عملية تأليف الحكومة منذ شهور.