“معاهدة تجارة الأسلحة” تفاصيلها وتداعياتها على الدولة و”حزب الله”! (رولان خاطر)

تحقيق رولان خاطر

إقرار قانون “معاهدة تجارة الأسلحة” في البرلمان أخيراً، ورفضه من قبل “حزب الله” أثار فضول المراقبين السياسيين. قبل عامين وقع لبنان المعاهدة، وصادق عليها مجلس النواب في جلسة تشريع الضرورة الأخيرة اي الثلثاء 25 أيلول 2018، وتحتاج إلى 60 يوما كي تنشر في الجريدة الرسمية بعد توقيع رئيس الجمهورية عليها.

تاريخ المعاهدة!

“معاهدة تجارة الأسلحة” هي معاهدة دولية دخلت حيز التنفيذ في 24 كانون الأول 2014. الاتفاقية أُقرّت في الهيئة العامة للأمم المتحدة بموافقة ١٥٤ دولة ومعارضة سوريا وإيران وكوريا الشمالية وامتناع 23 دولة. هي معاهدة دولية مرتبطة بتجارة الأسلحة، للحد من السلاح المتفلت والحد من وصوله للمنظمات الإرهابية.

النقاش في الهيئة العامة للأمم المتّحدة بشأن هذه الاتفاقية بدأ في العام 1992 بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، لضبط أسلحة الاتّحاد المنتشرة لدى العديد من الدول والمنظّمات التي كانت تدور في فلكه. وللمرة الأولى تمّ البحث بمعاهدة تضمن الشفافية ومسؤولية الدول عن تجارة وانتقال الأسلحة التقليدية والخفيفة، فيما كانت الاتفاقات السابقة تنحصر بالأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية. لاقت هذه الاتفاقية ترحيباً من الدول المصدّرة للسلاح ليس لأنها قدّمت إطاراً شرعياً لتجارة وشحن وانتقال الأسلحة التقليدية والذخائر بل لأنّها وضعت قيوداً على تصدير الجزئيات التي يمكن في حال تجميعها أن تؤدي الى إنتاج سلاح تقليدي. كذلك فإنّ الدول المصدّرة ملزمة بالتأكّد من أنّ السلاح أو الذخائر أو الجزئيات لن تستعمل للقيام بأعمال تتعارض مع القانون الدولي الإنساني، وهي تتمتع بكامل الحق في إلغاء صفقات الأسلحة في حال ظهور أي شكوك حول استعمالها. وبالمقابل فإنّ الدول المستوردة ملزمة بفتح سجلات وطنية تدوّن فيها الأسلحة المحقّقة ووجهة استلامها وحركتها.

روح المعاهدة!

الباحث في الشؤون العسكرية الجنرال خليل الحلو شدد لـIMLebanon على أهمية مصادقة لبنان على هذه المعاهدة لابقاء على العلاقات الجيدة مع المجتمع الدولي، وخصوصاً أن روح هذه المعاهدة، بغض النظر عن إمكان تطبيقها، أو ما يحصل في العالم اليوم من بيع وشراء للاسلحة بطرق غير شرعية، تفرض ضبط مسارات بيع الأسلحة وتوريدها وتصديرها من قبل الدول تفادياً لعدم وصولها الى منظمات غير شرعية. وذكّر بان الجيش اللبناني سلاحه معروف المصدر بتفاصيله، وبالتالي لا خوف من التوقيع، فهو يحصل على مساعدات عسكرية من واشنطن، ويشتري من فرنسا وبريطانيا القسم الأصغر.

من جهته، يقول المحلل العسكري العميد المتقاعد خالد حمادة لـIMLebanon إن اي سلاح نأخذه اليوم من اميركا بموجب المساعدات، توقع الدولة اللبنانية على شهادات تسلمه، مما يفرض مسؤولية كبيرة على ان لا يقع هذا السلاح في يد طرف ثالث، وبالتالي اجراءات الاتفاقية تطبق بروحيتها بصرف النظر اذا وقع لبنان المعاهدة او لم يوقعها.

حظيت المعاهدة بموافقة الغالبية الساحقة من الكتل النيابية، في مقابل اعتراض نواب “حزب الله” وحلفائه الدائرين في فلك 8 آذار كـ”المردة” والحزب السوري القومي الاجتماعي، و”السنّة” من خارج “تيار المستقبل”، إضافة إلى النائب جميل السيّد. لكن المفاجأة الأكبر كانت من “حركة أمل”.

خفايا موقف “حركة أمل”!

امتنعت “حركة أمل” التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري عن اتخاذ موقف مؤيد او معارض من المعاهدة، علما بأن الحركة تعد أحد أبرز حلفاء “حزب الله”. ماذا يعني ذلك؟

موقع IMLebanon اتصل بالنائب ميشال موسى لاستيضاح موقف “حركة امل” من الموضوع، إلا أنه رفض أن يضيف أي أمر على الموقف الذي صدر بعد الجلسة التشريعية الأخيرة، والتي اعتبر فيها أن الكتلة اتخذت موقفها مجتمعة “لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين، بغض النظر عن اي مواقف أخرى”.

وفيما اعتبر الجنرال حلو أن “حركة أمل” تحاول الحفاظ على بعض الجسور آمنة مع الأطراف السياسية في الداخل وكذلك مع المجتمع الدولي، حفاظاً على التوازن، ملمحا بذلك على ان المسألة هي مسألة توزيع ادوار بين الطرفين، نفى مدير مركز الإرتكاز الإعلامي الصحافي سالم زهران علمه بالحكمة من هذا التفصيل، لكنه قال لـIMLebanon: “إن حزب الله وحركة امل غالبا ما يتبادلان الأدوار بالتنسيق، وأنا على يقين ان هذا الدور هو بالاتفاق مع الحزب”، مؤكداً ان الرئيس بري هو جسر عبور “حزب الله” والطائفة الشيعية الكريمة الى المجتمع الدولي”.

من جهته، قال المحلل العسكري الجنرال خالد حمادة لـIMLebanon: “إن الرئيس بري هو رئيس المجلس ولا يملك هامش التعطيل الكامل كما يفعل “حزب الله”، فهو لا يقوى على إظهار أن الحزب السياسي الذي يترأسه يرفض التوقيع على المعاهدة وهو رئيس البرلمان اللبناني، علما ان هذه المعاهدة ارسلت الى الدول لكي تبرم في البرلمانات، وهذا جزء من شرعية البرلمانات، وبالتالي هذا أمر يردع الرئيس بري عن رفض المعاهدة، والوقوف ضد الشرعية الدولية.

لماذا خاف “حزب الله”؟

انسحب النائب علي عمار من الجلسة مع بدء التصويت على القانون، وبرّر النائب نواف الموسوي معارضة الحزب للاتفاقية، بالقول: “إن العدو الإسرائيلي شريك في اتفاقية تجارة ونقل الأسلحة ولا مصلحة للبنان بالتوقيع عليه”. ولكن، توضيحاً للرأي العام، فإن المعاهدة التي وقع عليها لبنان في الـ2016، بعد أن أحالتها حكومة تمام سلام آنذاك كمشروع قانون، حملت امضاءات كل الوزراء بمن فيهم وزراء “حزب الله”، خصوصاً أن الاتفاق كان وقتذاك ان أي مشروع لا يمر إلا بموافقة كل الوزراء عليه في ظل غياب رئيس الجمهورية.

وفي حين يرى محللون أنه كان هناك مقياس مختلف لقراءة “حزب الله” لموازين القوى في المنطقة، يرى بعض المحللين اليوم أن في المعاهدة نصوصاً توضح سبب اعتراض “حزب الله” عليها، منها:

أنها “تنص على التزام مبدأ امتناع الدول الأعضاء، في علاقاتها الدولية، عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”. وهذا يتعارض مع الوجود العسكري للحزب في سوريا كما في اليمن.

تمنع المعاهدة أيضا في مادتها السادسة على الدول الأطراف «السماح بأي عملية نقل أسلحة تقليدية أو أصناف منصوص عنها في المادتين 3 و4، إذا كان من شأن هذا النقل أن ينتهك الالتزامات الواقعة على عاتق الدولة بموجب تدابير اتخذها مجلس الأمن الدولي، وهو يتصرف تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما تدابير حظر توريد الأسلحة. وهذا البند يلقي الضوء على مصادر سلاح “حزب الله”، وإمرارها عبر المعابر غير الشرعية، خصوصاً أن الحزب يقرّ بأن سلاحه وماله وكليته هي من ايران، التي تخضع اليوم لأقسى العقوبات من قبل المجتمع الدولي.

كما تمنع أيضا الدول الأعضاء من السماح بعمليات نقل الأسلحة التقليدية إذا كانت على علم مسبق بأن هذه الأسلحة ستستخدم في جرائم الحرب، أو جرائم ضد الانسانية أو هجمات ضد مدنيين أو أهداف مدنية… وهو أمر استخدمه “حزب الله” في سوريا.

والأهم، أن هذه المعاهدة تفرض على لبنان تبادل المعلومات في ما يتعلق بنقل السلاح غير الشرعي والتجارة به وأن يكون مرصداً لمراقبة حركة هذا السلاح.

للاطلاع على نص معاهدة تجارة الأسلحة ونقلها كما صادق عليه مجلس النواب في جلسته التشريعية

وفيما وضع الجنرال خليل الحلو رفض “حزب الله” للمعاهدة، في إطار تسجيل موقف، اعتبر الجنرال خالد حمادة ان رفض “حزب الله” للمعاهدة يأتي انسجاماً مع الموقف الايراني الرافض لها.

ورأى المحلل العسكري العميد المتقاعد أمين حطيط، لـIMLebanon أن المقاومة لن تتأثر بهذه المعاهدة وهي امتنعت لموقف مبدئي. وهي بذلك تسأل الدولة اللبنانية: “من يجبركم على تقديم خدمات مجانية للعدو الاسرائيلي في حين ان اسرائيل لم تصادق على المعاهدة”؟

وقال: “أي اتفاق يفرض قيوداً، الوضع قبل الاتفاق يكون غير ما عليه بعد الاتفاق، والقاعدة تقول إن “العقود تمتلئ بالقيود”، وانطلاقا من هنا، يقوم لبنان بتقييد نفسه بقيود تجاه المجتمع الدولي في حين ان اسرائيل ومن يستهدفون المقاومة من أميركا وغيرها لا يصدقون على الاتفاقية ويبقون خارج اطار هذه القيود. لذا، فالمنطق يقول: “اما أن تكون الاتفاقية ملزِمة لكل الدول وبالتالي “مساواة بالتعامل”، او يبقى لبنان متحفظا على الاتفاقية حتى توقع اسرائيل عليها. فلماذا يقدم لبنان خدمات مجانية في مجال السلاح لاسرائيل؟

مدير مركز الارتكاز الإعلامي، القريب من “حزب الله”، سالم زهران، قال لـIMLebanon: “ما كتب قد كتب”. “حزب الله” كان يعلم ان هذه المعاهدة ستمر في مجلس النواب والدليل عدم ضغطه قبل الجلسة لتوقيفها، لكنه اراد ان يسجل موقفاً لاحقاً. والضجة الذي أحدثها الحزب يمكن ان تستفيد منها الدولة في عملية التفاوض مع المنظمات الدولية ضد اسرائيل.

وشرح زهران ان “حزب الله” يدرك ويتصرف على ان اسرائيل هي الطفل المدلل للعالم وللمنظمات الدولية، وكل المعاهدات العالمية هي في خدمة اسرائيل، والدليل عدم توقيعها على اي اتفاقية في إطار حظر الاسلحة الممنوعة. وفي الخلاصة، فإن “حزب الله” لم يضغط لمنع هذه الاتفاقية، وهو أراد ان يسجل موقفاً.

الدولة اللبنانية محرجة دائماً!

كلمة حق تقال، السلاح غير الشرعي ليس موجوداً فقط لدى الضاحية الجنوبية، بل هناك منظمات أخرى، ومناطق أخرى، بدءا بالمخيمات، وصولا إلى قوسايا، حيث يتخزن السلاح غير الشرعي ولو بنسب متفاوتة. لكن، يُعتبر “حزب الله” المنظمة الأكبر التي تحوي منظومة سلاح كبيرة وضخمة، تفوق بحسب البعض المنظومة العسكرية والأمنية للدولة اللبنانية. فهل سيكون بمقدور الدولة أن تراقب حركة هذا السلاح، مع سيطرة الحزب على مرافق الدولة الحدودية، بدءا بالمطار، وصولا إلى نقاط الحدود والتهريب مع سوريا؟

يقول العميد المتقاعد خالد حمادة لـIMLebanon إن الاتفاقية تضع قيوداً على الدولة اللبنانية وتُلزمها بالاضطلاع بمسؤولياتها، بقدر ما تقيّد حزب الله. إنّ استخدام حزب الله لأيّة أسلحة أو ذخائر، سبق أن سُلمت للدولة اللبنانية، في عملية أمنية في اليمن مثلاً يرتّب مسؤولية على الدولة بشكل أساسي وليس فقط على “حزب الله”. كما أنّ الذخائر تمتلك ترقيماً خاصاً يحدّد مصدرها وتاريخ تصنيعها والدولة التي استوردتها، وبالتالي فإنّ عملية فحص متخصصة لبقايا انفجار كافية لتحديد الدولة المصنّعة والدولة المستوردة وطرح مسؤولية انتقال الذخائر والمتفجرات لمنفذي التفجير. وهذا الأمر ينطبق على الدول العربية ودول أميركا اللاتينية التي يمارس حزب الله أنشطته الأمنية عبرها.

ويضيف: “حزب الله يجري استهدافه من قِبَل الشرعية الدوليّة، فهو منظّمة مسلّحة تعترف بتلقيها السلاح والتمويل من إيران وبمشاركتها في عمليات حربية خارج الحدود. وإنّ الاتفاقية المذكورة يمكن أن تقيّده من خلال تحميل الدول التي يعمل عبرها مسؤولية مراقبة حركة انتقال الأسلحة عبر أراضيها. الاتفاقية تضع الدولة اللبنانية في مصاف الدول المسؤولة وتلزمها بمراقبة وتعقّب الأسلحة التي انتقلت الى لبنان بطريقة غير شرعية والتي يمكن أن تُستخدم في عمليات تتعارض مع القانون الدولي أو عمليات إرهابية أو أنشطة غير مشروعة.

وبهذا المعنى يقول حمادة: “الدولة مسؤولة عن كلّ الأسلحة التي لديها، وعبر الدولة فقط تدخل الأسلحة”. لذا فالمطلوب من الدولة أن توفّر المعلومات حول أي سلاح موجود على أرضها والاتفاقية المذكورة تشكّل أداة قانونية وشرعية صارمة في موضوع نقل وتجارة الأسلحة، والشرعية الدوليّة تعتبر نفسها مسؤولة عن تطبيق هذه المعاهدة”.

 

يبقى ان المصادقة على المعاهدة هو تأكيد بقاء لبنان ضمن الحظيرة الدولية، وتأكيد على أنه لا يمكن للبنان في اي مجال من المجالات إلا أن يلتزم بالقوانين والشرعية الدولية.