بنوك دم الحبل السرّي… بين الطبّ والتجارة

كتبت جنى جبّور في “الجمهورية”:

خلال السنوات الأخيرة، كثر الحديث عن بنوك دم الحبل السرّي التي تحفظ خلايا الأطفال الجذعية من أجل الحفاظ على صحتهم أو علاج أمراضهم مستقبلاً أو إطالة أعمارهم. شكلاً، تبدو هذه الخطوة واعدة وتستحق التجربة والتكلّف عليها. ولكن مهلاً، صحيح أنّ للخلايا الجذعية فوائد مختلفة إلّا أنّها ليست سحراً أو إكسيرَ الحياة كما تسوِّق لها شركات تجارية!

يكمن السر في أهمية الحبل السري لأنه الحبل الحيوي الذي يربط بين الجنين والأم من خلال المشيمة التي تمثل بوابة انتقال الغذاء من الأم للجنين داخل الرحم. وقد وجد أنّ الدم الموجود داخله يحتوي على نسبة من الخلايا الجذعية الأوّلية التي لديها القدرة على الانقسام المستقبلي لتعطي العديد من أنواع الخلايا في الجسم. هذه المعلومات دقيقة ومثبتة علميّاً، ولكن هل يساعد دم الحبل السري حقاً في شفاء أكثر من 80 مرضاً؟

لمعرفة الحقيقة الطبية حول هذا الموضوع، والتفرقة بينها وبين البدع التجارية التي يُسوَّق لها، كان لـ«الجمهورية» حديث خاص مع الاختصاصي في علم المناعة، والباحث في مركز الأبحاث التابع للمركز العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية الدكتور حسان سعيّد الذي استهلّ حديثه قائلاً إنّ «الخلايا الجذعية الموجودة في الحبل السري لها قدرة على التطور لتعطي أنواعاً عدّة من الخلايا المتخصصة؛ بمعنى أنها تمثل ذخيرة لتعويض أيّ خلايا مريضة أو معطوبة في جسم الإنسان بفعل أيّ مرض. ولكن بالطبع ليست بمثابة إكسير الحياة، فالخلايا الجذعية المستخرَجة من الحبل السري لها قدرة على التطور لتعطي أنواعاً محدّدة من خلايا الجسم فقط، وليست لها قدرة مطلقة وفق الدراسات البحثية المتوفرة حتّى يومنا. والمعروف حالياً، أنّ الخلايا الجذعية المستخلصة من الحبل السري لها القدرة على أن تتطوّر لتصبح خلايا دموية متخصصة، وهي في ذلك تشابه الخلايا الجذعية المستخلصة من نخاع العظام. من جهة أخرى، إنّ الخلايا الجذعية التي لها قدرة أكبر وأوسع على التطوّر لأيِّ نوع من الخلايا في جسم الإنسان هي الخلايا الجذعية الجنينية، والتي يمكن اعتبارُها بشكل نظري بمثابة إكسيرَ حياة لتعويض أيّ خلايا تالفة في الجسم فعلاً. لكنّ هذا النوع من الخلايا الجذعية، لا توجد حتى الآن طريقة مؤكّدة للحصول عليه سوى من خلال تدمير وقتل الأجنّة واستخراج خلاياها الجذعية في مراحل مبكرة، وهو الأمر غير الأخلاقي والمحرَّم قانونياً في المؤسسات العلمية كافة».

البنوك الخاصة والعامة

تخزّن الخلايا الجذعية المستخلصة من الحبل السري بهدف استخدامها في المستقبل لعلاج الأمراض التي تؤدي لتدمير خلايا الدم، ويتمّ هذا التخزين في بنوك خاصة بالخلايا الجذعية، وتبقى صالحة للاستخدام لمدة تصل إلى 10 سنوات. وعن بنوك دم الحبل السري العامة والخاصة اشار د. سعيّد الى أنّه «ظهرت بنوك حفظ الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري في أميركا للمرة الاولى عام 1992، بعدها بدأت في الانتشار في العالم الغربي بشكل كبير وبعضها بنوك خاصة تقوم بالاحتفاظ بالخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري لصالح الأسرة، وبعضها الآخر بنوك عامة يتمّ التبرّع بدم الحبل السري لها ليصبح متاحاً لأيّ مريض يحتاجه. ورغم ذلك، فإنّ المؤسسات الصحية المعنيّة بالأمر تنصح بأن يكون التبرّع بدم الحبل السري لصالح البنوك العامة لأسباب عدّة، أهمها أن يكون مجانيّاً ويسمح باستفادة أيّ مريض يحتاج للخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري، على عكس التعامل مع بنوك حفظ دم الحبل السري الخاصة والتي تقوم بأداء الخدمة مقابل مبالغ طائلة في مقابل احتمالات ضئيلة للغاية بأن يحتاج الطفل في المستقبل لهذا الدم ما لم تكن هناك مشكلة صحّية تمّ تشخيصُها لديه بالفعل يمكن أن تعالج بالخلايا الجذعية المستخلَصة من دم الحبل السري».

معالجة 80 مرضاً؟

المعضلة الاساسية في هذا الموضوع، هي إمكانية أن يعالج دم الحبل السري 80 مرضاً، وهنا لا بد أن نلفت النظر الى أنّ بعض الشركات التجارية التي تعمل في هذا الإطار، تسوّق الخلايا الجذعية على أنها الامل الساحر لأغراض مادّية باهظة الثمن، من هنا على الجميع الانتباه الى هذه النقطة. على أيّ حال ما هي الإجابة الطبية على امكانية معالجة 80 مرضاً؟ أكدّ د. سعيّد أنّ «الإجابة الحالية على هذا السؤال هي لا! حيث إنّ قدرة الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري على علاج الأمراض تقتصر على عدد محدود من أمراض الدم التي تؤدّي لتدمير الخلايا الأوّلية المسؤولة عن تصنيع مكوّنات الدم، وتشمل هذه الأمراض اللوكيميا والليمفوما وبعض أنواع الأنيميا. وحتّى هذه الأمراض لا تكون الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري صالحة لعلاجها بنسبة 100 في المئة، بل يختلف الأمر من شخص الى آخر. أما عن المستقبل، فالإجابة تبقى غير محسومة حيث يوجد العديد من الدراسات العلمية التي تختبر قدرة الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري على علاج بعض الأمراض الأخرى كجلطات القلب والذبحة الصدرية غير المستجيبة للأدوية والعلاجات التقليدية وتوليد رقع للأوعية الدموية التالفة في الجسم وصمّامات جديدة يمكن استخدامُها في جراحات للمواليد المصابين بعيوب خلقية في القلب. في المقابل، في الوقت الحالي إنّ الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري لها قدرة على علاج أنواع محدّدة من السرطان والتي ترتبط بالخلايا المسؤولة عن تصنيع مكوّنات الدم مثل اللوكيميا والليمفوما. أمّا أنواع السرطان الاخرى فلا تزال حتى الآن بدون حلول مؤكدة فيما يخصّ الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري».

نقاط الضعف

وأخيراً، ماذا عن نقاط الضعف في استخدام المشيمة والحبل السري للعلاج بالخلايا الجذعية؟ ختم د. سعيّد حديثة معدِّداً أهمّها على الشكل الآتي:

  • قدرة الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري في الوقت الحالي مقتصرة على علاج عدد محدود من الأمراض المرتبطة بالدم
  • الأمراض التي يمكن لخلايا الحبل السري علاجها هي أمراض نادرة بطبيعتها؛ لذا فإنّ احتمالات احتياج الطفل للخلايا الجذعية تراوح بين 1على 2700 و1 على 200000.
  • في حال الأطفال المصابين بأمراض جينية، لا يمكن استخدام خلاياهم الجذعية نفسها، لأنها تكون مصابة بالخلل الجيني نفسه.
  • كمية الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري لمولود واحد لا تكفي لإمداد الخلايا الجذعية المطلوبة لعلاج مريض بالغ مصاب بمرض يتطلّب علاجاً بالخلايا الجذعية، و لكن في هذه الحالة يمكن استخدام خلايا مستخلصة من أكثر من فرد.