ماذا بعد العقوبات الأميركية على ايران؟ (بقلم جوني عطالله)

في منطقةٍ تسودها الإضطرابات والتجاذبات الإقليمية، لا بد أن تتجه انظار المراقب العام إلى الحدث الضخم في مسار الصراع الأميركي الإيراني والذي وصل إلى ذروته في الفترة الأخيرة، وخاصةً تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب حيث دخلت الدفعة الثانية من العقوبات على إيران حيز التنفيذ والتي تطال قطاعات النفط والموانئ والشحن البحري والناقلات الجوية والمؤسسات المالية بعد أن سبقتها الدفعة الأولى واطالت قطاع السيارات الإيراني والقطاع المصرفي بما في ذلك التعامل مع الريال الايراني والسندات المالية. لكن السؤال الأهم، ماذا بعد هذه العقوبات؟

في الواقع، ليس خفياً على أحد الضيق الإقتصادي الذي تعاني منه إيران في الآونة الأخيرة بحيث يسجل الريال الإيراني هبوطاً واضحاً امام الدولار الأميركي كما اغلقت العديد من المصانع والشركات ابوابها بسبب هذا الوضع الإقتصادي المزري. وهنا يجدر التذكير بالتحركات الاحتجاجية الواسعة التي شهدتها مطلع هذا العام معظم أنحاء إيران مع ما تحمله من دلالات ومعانٍ. فهذه التحركات تعكس بشكل أو بآخر التململ الحاصل في إيران بين مختلف مكونات المجتمع الإيراني ذات التعدد العرقي (الفرس، الاكراد، العرب، البلوش، التركمان وغيرها..)

في الحقيقة، إن الأنظمة الدكتاتورية تتشابه في ما بينها ولو تعددت أساليب الحكم. وأقصد بذلك تحديداً الهوة الواسعة بين الطبقات الإجتماعية بحيث نكاد لا نرى طبقة وسطى، وذلك نتيجة سياسة قمع الحريات وعدم إحتمال الرأي الأخر التي تدفع بهذه الطبقة المكونة من المفكرين والصحافيين والاعلاميين واصحاب الراي ومن بإمكانهم تشكيل معارضة سياسية في وجه السلطة، إما الى الهجرة أو الاعتقال أو النفي، فيصبح المجتمع الى حد كبير مكوناً من طبقتين، واحدة غنية تتشكل من النظام الحاكم والمقربين منه وأحياناً أبناء الطائفة الحاكمة، وأخرى فقيرة تتكون من العمال والكادحين اللاهثين خلف لقمة العيش، وهكذا تنعدم آفاق  تشكيل معارضة فعلية حقيقية. هذا الوضع يريح السلطة إلى حد كبير لكن بشكل مؤقت، وعندما تشتد الأوضاع السيئة سوءاً، تزداد إحتمالية الإنتفاضة عند الناس الذين لم يبق لديهم ما يخسرونه وهنا تكمن الخطورة. ففي غياب معارضة سياسية يمكنها أن تنظم الإنتفاضة، تخلو الساحة للفوضى فتتولد ثورة عنيفة تظهر فيها الهويات المتطرفة التي تتغذى من حالة الفوضى العارمة كما رأينا في عدة بلدان عربية في السنوات الماضية.

يدرك الاميركيون هذا الواقع جيداً، لكن هنا يجوز طرح السؤال الأهم: أين تأتي العقوبات في سياق ما يحصل في إيران وماذا ستحمل من نتائج؟  قد تتراوح اهداف هذه العقوبات من تحجيم ايران ووضع قواعد جديدة لميزان القوى العالمي حتى اسقاط النظام كحد اقصى وهذا لا يبدو مبتغى الادارة الاميركية حالياً، اذ تؤكد الأوساط الأميركية أن هذه العقوبات تستهدف بشكل خاص النظام الإيراني بهدف تغيير سلوكه التخريبي في المنطقة حسب رأي الأميركيين، ولا ترغب لا من قريب ولا من بعيد بإيذاء الشعب الإيراني التواق للحرية.

لكن كيف تفصل بين الشعب والنظام وتحديداً في نظام مثل النظام الإيراني الذي إستمد قوته منذ نشأته عام 1979 من إلتفاف الشعب حوله؟ هل ستفرق الكارثة الإقتصادية بين نظامٍ وشعب؟ أم أن الفقراء يدفعون ثمن الصراعات الكبرى؟ تعلمنا أن المجاعة لا تعشق سوى الفقراء ففي ظل هذه المستجدات يبدو أن النظام الإيراني بالرغم من صعوبة الوضع، سيكثف جهوده في التركيز على هذه النقطة في محاولة لشد العصب القومي للشعب الإيراني في وجه اقصى عقوبات ستنفذ بحقه منذ نشاته. هذا ليس بجديد فلطالما حاولت الأنظمة الدكتاتورية خلق عدو خارجي لشعبها كى يظل بحاجة ماسة لها ومجهول المصير دونها، فينسى معاناته اليومية خوفاً من عدو وهمي صنع له كي لا ينتفض. تتعدد تسمية هذا العدو لكن الهدف واحد وهو القضاء على اي احتمال لانتفاضة شعبية سعيا للخلاص، قد تطيح بالحكم وباصحاب الحكم.

لا شك ان الفترة المقبلة حساسة للغاية وستكون كفيلة بالإجابة عن السؤال الجوهري المصيري الذي ستكون ارتدداته كبيرة على ايران خصوصاً والمنطقة عموماً: هل تصبح هذه العقوبات “العدو” الجديد للشعب الإيراني فيتمسك أكثر بنظامه وسياساته أم أن رغبته للحرية فاقت كل التحديات فادرك أنه قد آن أوان الورد في طهران؟