قراءة سياسية في مصالحة “القوات”- “المردة”! (بقلم طوني أبي نجم)

لقد كنت شخصياً من أشدّ المؤيدين والمرحبين للمصالحة التي طال انتظارها بين تيار “المردة” و”القوات اللبنانية”. مصالحة يُفترض أنها عالجت جرحاً أليماً عمره أكثر من 40 عاماً أصاب العمق الماروني في الشمال.

وإذا كانت المصالحة مباركة من دون أدنى شك، فإن مناقشة بعض جوانبها السياسية واجبة حتماً. والبداية لا بدّ أن تكون من كلام الوزير السابق يوسف سعادة عبر محطة الـmtv وملخصه الاعتراف بأن الدكتور سمير جعجع لم يكن “الآمر” بعملية إهدن وأنه أصيب قبل أن يصل إلى قصر الرئيس فرنجية، وبالتالي هو ليس مسؤولاًعن المجزرة التي حصلت بكل أسف.

كلام سعادة لقي صدى غير محبب في صفوف مناصري “المردة” في قضاء زغرتا، ما اضطره إلى الطلب من الـmtv حذف الفقرة المحددة منه، ولكن سبق السيف العزل وما قيل قد قيل لأنه في العمق يعبّر عن حقائق دامغة يعرفها الوزير السابق سليمان فرنجية كما تعرفها قيادة “المردة” والأكثرية الساحقة من الزغرتاويين.

ليس المطلوب العودة الى تفاصيل مأساة إهدن، لأن إرادة المصالحة يجب أن تتغلب على أي شيء آخر، ولكن الثابت أن كلام سعادة ليس ابن ساعته، لا بل إن رئيس “المردة” كان أرسل أكثر من إشارة من التسعينات حول اقتناعه بعدم مسؤولية جعجع، كان أبرزها رفض تحريك المحاكمة في مجزرة إهدن أمام المجلس العدلي يوم كان قائد “القوات” في المعتقل يُحاكم بأكثر من ملف.

الرئيس الراحل سليمان فرنجية كان أقدم على شرب “الكأس المر” يوم طلب منه السوريون استقبال الوزير الراحل الياس حبيقة، ويروي عارفون أن السيدة إيريس فرنجية قالت يومها لحبيقة: “هذه ليست زيارتك الأولى لإهدن يا إيلي”!

الخلاصة الثابتة أن المعنيين كانوا يدركون منذ عقود أن جعجع الذي شارك في العملية بناء على أوامر حزبية لم يكن مسؤولاً عن إصدار الأمر بالعملية ولا كان موجوداً لحظة حصول الجريمة البشعة في القصر. إنطلاقاً من هذا الاقتناع بادر رئيس “المردة” في 26 تموز الـ2005 إلى محاولة الاتصال بسمير جعجع عبر هاتف الشيخ بيار الضاهر لتهنئته بخروجه بالسلامة، لكن جعجع رفض أن يرد على الاتصال يومها.

ومنذ خروج جعجع من السجن لم تنقطع الاتصالات بين “المردة” و”القوات” عبر القنوات المعروفة، وأبرزها عبر الوزير السابق يوسف سعادة ومدير مكتب جعجع طوني الشدياق مع اقتناع الطرفين بكل الحقائق الموضوعية المتعلقة بما جرى ذاك الصباح الأسود من 13 حزيران 1978.

في ظل كل ما سبق لا بدّ من أسئلة جوهرية تتعلق بالمسار والأداء السياسي والإعلامي في كل المرحلة السابقة، وعلى الأقل من العام 2005 وحتى الأمس القريب:

ـ لماذا استمرّ استثمار “المردة” في قضية إهدن بوجه “القوات اللبنانية” والدكتور سمير جعجع شخصياً طوال الأعوام الماضية في حين كانت قيادة “المردة” تصالحت مع الوزير السابق إيلي حبيقة شخصياً ومع حزب “الكتائب” ممثلاً برئيسه الراحل الدكتور جورج سعادة وأعضاء المكتب السياسي الذين زاروا بنشعي يومها؟

ـ لماذا استمرّت قيادة “المردة” في تحريض جمهورها ضدّ “القوات” وجعجع تحديداً وحصراً طوال الأعوام الماضية رغم معرفتها بالحقيقة الكاملة؟ وكيف سيصدّقها جمهورها بعد اليوم أي تجييش أو تحريض على أطراف أخرى؟

ـ لماذا تقصّد “المردة” تخوين كل حلفاء “القوات اللبنانية” في قضاء زغرتا في الأعوام الماضية ونعتهم بأبشع النعوت؟

ـ هل كانت المشكلة مع “القوات اللبنانية” وسمير جعجع تتعلق بما حصل في إهدن أم تتعلق بمواقف “القوات” وجعجع وتموضعهما السياسي؟ ومن هنا هل أتت المصالحة، في توقيتها اليوم وليس قبل سنوات، نتيجة تبدّل في التموضعات السياسية التي لم تتغيّر عملياً أم نتيجة تقاطع في المصالح بفعل الإرادة المشتركة في التحضير منذ اليوم لمواجهة الوزير جبران باسيل في كل الاستحقاقات المقبلة؟

إن مباركة المصالحة وتثمينها على الصعيد الشخصي ولطي صفحات الماضي الأليم لا تعفي من الأسئلة المحقة التي قد يلخصها سؤال يتيم: لِمَ تأخرت هذه المصالحة كل هذه السنوات؟ ولو تمت مثلاً قبل 10 أعوام كم كانت وفّرت على المسيحيين؟!

أياً يكن، نكرر التهنئة بالمصالحة، على أمل أن تكون ثابتة وراسخة وغير مرتبطة بتقاطع مصالح سياسية حتى لا تسقط لا سمح الله بانتهاء هذه المصالح!