يوميات لبنانية في اسطنبول! (بقلم يورغو البيطار)

عند الساعة التاسعة ليلاً بتوقيت إسطنبول تجمع مئات اللبنانيين مساء الاثنين عائدين الى بيروت من رحلة امتدت لبضعة أيام تزامنت مع عطلتين رسميتين (ذكرى الاستقلال والمولد النبوي الشريف). تأخرت معظم الطائرات في مطار أتاتورك الدولي وذلك بسبب تجارب وإجراءات جديدة تتخذ فيه وسط زحمة جوية لافتة قبيل انطلاق المطار الثالث في المدينة الشهر المقبل والذي سيكون الأكبر في العالم. عند هذا النوع من الانتظار يصبح اللبنانيون “خوش بوش” بعد ثوانٍ قليلة ويكادون يعرفون كل شيء عن بعضهم، فخلال دقائق الانتظار التي لامست الستين وأكثر، تمت جوجلة مواضيع الساعة بأكملها.. من السياسة والتسوق وسبب اختيار تركيا وما يميزها سياحياً وغيرها… وقد تزامن ذلك مع جدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد اعلان السفير اللبناني لدى انقرة غسان المعلم ان مليون لبناني زاروا تركيا في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2018!

اشتكى بعض المسافرين من التأخير بشكل متكرر، رد عليهم آخرون مذكريهم بالسجن اليومي على الطرقات في لبنان، اندلع الجدل وعلت الأصوات قبل ان تهدأ الأمور مع توضيح المضيفات بأن الإقلاع بات قريباً. تصرف “لبناني” بامتياز!

روت سيدة وابنتها كيف انهما تزوران إسطنبول كل فترة استكمالاً لـ”جهاز” الابنة قبل زفافها، فرغم ثمن التذكرة والفندق “يبقى التوفير كبيراً والفرق واضح في الأسعار بين المتاجر في بيروت واسطنبول”. وافقتهما سيدة أخرى اخبرت كذلك عن تسوقها بشكل دوري من المدينة التركية وليس فقط ملابس واحذية انما كل ما يحتاجه المنزل…

تحدث شاب يزور إسطنبول للمرة الأولى بإسهاب عن المواصلات المنظمة التي فاجأته خصوصاً وأنها سهلة الاستخدام بشكل كبير وبالتأكيد لن تحتاج الى سيارة خاصة هنا، اذ تستطيع الوصول الى كل مكان بسهولة عبر شبكة المواصلات المؤلفة من باصات ومترو وترام. أعرب بعدها عن اسفه عن “نق” اللبناني الذي انزعج من تأخير الطيران قليلاً فيما لا يثور رفضاً لما يعانيه بلده من مشاكل لا تحصى، ومن أبرزها طبعاً ازمة السير التي لا تنتهي فصولها وفضائحها.

استعرض أحد المسافرين ادوية اشتراها لوالده من صيدلية في إسطنبول، عارضاً بالتفصيل الفرق المذهل في الأسعار. بلغ الفارق بين أحد ادوية القلب بين بيروت والمدينة التركية كما قال 56 ألف ليرة لبنانية، مؤكداً انه اشترى كمية مضاعفة من كافة الادوية بسعر دواء ونصف فقط في لبنان.

تشكو فتاة من العودة الى العمل مبكراً في اليوم التالي حيث الزحمة والفوضى و”الزبالة”، وتتوجه لوالدتها: “لمَ لم تنجبيني في دولة أخرى، ليس بالضرورة في تركيا بل في أي مكان آخر”، لترد الأم: “كل البلدان متل بعضها، الفرق بالتنظيم والنظافة”…

لا شك فعلياً أن الفرق هو بالتنظيم والنظافة، لكن أليس هذا الفرق هو كل الفرق؟ الا نختار في بلدنا الرجعية في كافة المجالات بدل التطور ووضع خطط المستقبل في وقت سبقتنا الدول المحيطة بنا عشرات الأشواط، ألا نختار التقوقع الحزبي والمذهبي والعقائدي المقيت بدل الانفتاح في عصر لا ينتظر احد خصوصاً الجامدين بانتظار الرحيل؟ الامر بسيط فالمعركة كبيرة جداً، والانتصار فيها لبنان يحتاج الى شبه معجزة او شجاعة فريدة في الطرح تنقذ ما يمكن إنقاذه من السفينة الغارقة.