ترقيع الخزينة (بقلم بسام أبو زيد) 

من ورط الخزينة في أعباء ضخمة لسلسلة الرتب والرواتب؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست واضحة لدى المسؤولين في الدولة اللبنانية، ليس لأن لا جواب لديهم، بل لأنهم يدركون أنهم جميعا قد تورطوا في هذا الموضوع، وعندما تكون مسؤولية الخراب جماعية يجهد هؤلاء لدفن القضية وإضاعة الرأي العام.

في أرقام تكاليف سلسلة الرتب والرواتب لم يصدر أي كلام رسمي موثق يتعلق بهذا الموضوع، فكل ما هو متوفر كلام يقول إن التكاليف وصلت إلى مليار و400 مليون دولار، في حين أن أرقاما أخرى تتحدث عن ملياري دولار ويذهب البعض حتى إلى أبعد من ذلك، وهذا ما يؤشر إلى أن التخبط والمراوغة يسودان على أعلى المستويات في الدولة اللبنانية وحتى لدى الهيئات الاقتصادية.

إن حقيقة ما يجري في هذه القضية هو التالي: لقد حصل خطأ في تقدير تكاليف السلسة منذ البداية لأن الدراسة الأخيرة لها تمت تحت ضغط الانتخابات النيابية، كما أن فئات أخرى دخلت على خط الاستفادة منها ما رفع كلفتها إلى حد لا يمكن للإيرادات المرتقبة أن تحققه. وهنا لعبت المزايدات السياسية بين عدد من الاطراف الدور الأساس في توريط الخزينة بهذا الإنفاق المتصاعد تحت عنوان تلبيات مطالب مزمنة لفئات متعددة من الموظفين والعاملين والمتقاعدين في مؤسسات الدولة.

هذا الواقع السلبي فاقمه أن الحسابات الورقية للإيرادات لم تتطابق مع الجباية الفعلية، بل هي أتت أدنى بكثير مما كان متوقعا. فعائدات الجمارك انخفضت بنسبة 9% والضريبة على القيمة المضافة ورغم رفعها إلى ١١% لم تحقق عائدات توازي ما كانت عليه عندما كانت 10% وذلك نظرا لتراجع الاستهلاك، كما أن عائدات قطاع الاتصالات قد تراجعت والبعض يقول ان التراجع قد بلغ 28%.

كل هذه العوامل وغيرها حدت من موارد الخزينة وسط تصاعد مخيف للإنفاق فاقم العجز إلى حد كبير ورتب على الدولة المزيد من الديون من أجل تغطية طلبات ملحة كسلفة الكهرباء مثلا التي بلغت 642 مليار ليرة وشارفت على نهايتها، وهذا ما دفع مصرف لبنان إلى رفع الصوت وامتناعه عن إقراض الخزينة بالعملة الصعبة لألف سبب وسبب، مادفع وزارة المال إلى التفتيش عن خيارات أخرى للتمويل وأبرزها طرح سندات خزينة لشرائها من المواطنين.

ببساطة إن الوضع المالي للخزينة ليس سليما بتاتا، وفي الحقيقة أيضا أن عمليات الترقيع الجارية لم تعد تنفع وان المسؤولين أمام خيارين أحلاهما مر: فإما عملية جراحية تنقذ الخزينة ولو أصابت من استفاد من السلسلة بالضرر، وإما المزيد من الغرق في وحول الإنفاق والهدر.