IMLebanon

«سبت الجاهلية»: مَن أطلق النار على أبو ذيــاب؟

كتبت ملاك عقيل في صحيفة “الجمهورية”:

«تَعَهُد مختار»، ومعه وساطات ليلية سياسية-أمنية، أنهَت أمس مشروع فتنة أهلية كان يمكن أن تبدأ في الجاهلية لتضع الجبل والبلد برمّتهما في «المجهول».

اليوم لن يمثل الوزير السابق وئام وهاب أمام «شعبة المعلومات» للإدلاء بإفادته في الإخبار المقدّم ضده أمام النيابة العامة التمييزية من مجموعة محامين، بجرم إثارة الفتنة والتعرّض للسلم الأهلي على خلفية تصريحاته الأخيرة، التي وصفت بـ«المهينة وغير المسبوقة» بحق الرئيس المكلّف سعد الحريري.

وبالتوازي، يعتزم وهاب رفع دعوى جزائية في وجه الحريري والمدعي العام التمييزي سمير حمود والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان، على خلفية اتهامه الصريح لهم بـ«محاولة قتله»، بعدما كرّر مراراً قبل سبت الجاهلية «الأسود» أنه حاول الاتصال بالقاضي حمود لكنه لم يجب على اتصاله.

يحدث ذلك وسط تشييع هادئ، على رغم الدعوات العفوية الى الثأر، لمحمد بو ذياب مرافق وهاب، شهدته بلدة الجاهلية أمس. معطيات موثوقة تؤكّد في هذا السياق، أنّ بو ذياب أصيب برصاصة بالخطأ من جانب أحد مسلّحي وهاب الذين انتشروا بكثافة في محيط قصر وهاب، مع وصول مجموعة من «القوة الضاربة» الى منزل الوزير السابق لتبليغه رسالة بضرورة حضوره الى «الشعبة»، وذلك بعد محاولات متكرّرة سابقة لإبلاغه الحضور عبر هواتفه الخلوية ومكتبه وأحد كوادره، وفق بيان قوى الأمن الداخلي.

من جهته، يصرّ وهاب على اتهام «القنّاص» المكلّف، وفق زعمه، من اللواء عثمان بمحاولة قتله مُتّكئاً الى فرضية التَشابُه بينه وبين بو ذياب.

«الاصطفافات» السياسية التي واكبت المشهد المتوتر في الجاهلية ساهمت في تسعير الأزمة، لكن أيضاً لاحقاً في ضبطها ووضعها «تحت السيطرة».

النائب السابق وليد جنبلاط يحطّ في «بيت الوسط» مانِحاً غطاءه الكامل للإجراءات المتّخذة بغية «محاسبة» وهاب على «أقواله وأفعاله» بالقانون.

وقد مهّد جنبلاط لخطوته، وعلى رغم العلاقة الفاترة التي تجمعه بالحريري حالياً، بتغريدة شَجبَ فيها كلام وهاب «الذي خرج عن كل الاعراف والقيَم الاخلاقية»، قائلاً إنه «يذكرنا بالكلام والتحريض العبثي للبعث السوري منذ سنوات، وما نتج عنه من مآس بحق اللبنانيين».

في المقابل، إصطفّ «حزب الله» الى جانب حليفه وهاب ومنحه «إبرة في العضل»، من جهة عبر الكلام المنقول عن الأخير بأنّ «المسألة باتت في عهدة السيّد حسن نصرالله شخصياً»، داعياً الحريري إذا كان يريد التفاوض «فليتفاوض مع سماحة السيّد».

 

أمّا الوجه الآخر لتدخّل «حزب الله» فبرزَ من خلال المساعي التي قام بها مسؤول «وحدة الارتباط والتنسيق» في الحزب، الحاج وفيق صفا، لمنع توجّه العناصر الأمنية الى الجاهلية لإحضار وهاب عبر اتصالات حصلت مع «بيت الوسط» واللواء عثمان، مُحذّراً من «مجزرة قد تقع»، ومؤكّداً أنّ «أسلوب إحضار وهّاب بهذه الطريقة لن يُجدي نفعاً».

أمّا موقف رئيس الجمهوية وتياره السياسي، فيمكن اختصاره بالسطرين اللذين وردا في مقدمة تلفزيون «أو تي في» ليلة الحادث، «عن تسارع الأمور بين حَدّي الإنفلات والضبط. فالشارع الذي ولّد الشارع، حَتّمَ تدخّل العقلاء وترك المسألة مضبوطة تحت سقف المسارَين الأمني والقضائي». الطرف الدرزي الثالث، النائب طلال إرسلان، دخلَ مباشرة في صلب الموضوع مُتّهماً جنبلاط «باستباحة الجبل».

وقائع الساعات العصيبة في الجاهلية ترافقت مع إجراءات أمنية استثنائية في محيط مديرية قوى الامن الداخلي و»بيت الوسط» ومحيط منزل القاضي حمود، وقد أفضَت الى جملة معطيات ووقائع لعل أهمّها وقوع وهّاب لأكثر من مرة في خطأ التأكيد أنّ تقرير الطبيب الشرعي يشير الى «نوع» الرصاصة التي اخترقت جسد بو ذياب، في وقت أنّ تقارير الأطبّاء الشرعيين لا تتطرّق في قضايا مماثلة الى الجوانب التقنية لنوع السلاح المُستخدَم، بل انّ ذلك يدخل ضمن صلاحيات الأدلة الجنائية.

وفيما سطّرت «المعلومات» محضراً بالحادث بعد الاستماع في فصيلة بعقلين الى إفادة المختار أجود بو ذياب، الذي أكّد أنّ القوة الأمنية التي كانت موجودة لم تطلق النار، وبأنه شاهد محمد بو ذياب وهو يطلق النار من الطابق الثاني، إضافة الى إشارته الى احتمال أن يكون بو ذياب قد أصيب من جرّاء إطلاق النار الكثيف جداً الذي أطلقه حرّاس وهاب، وبأنه أبلغ الضابط بأنّ وهاب سيتوجّه برفقة محاميه أو قد يرسل محاميه الى «شعبة المعلومات» اليوم الاثنين، فإنّ تقرير الطبيب الشرعي، الذي حصلت «الجمهورية» على نسخة منه، يؤكّد في المقابل أنّ «حالة الوفاة ناتجة عن الإصابة بعيار ناري دخلَ من يسار الصدر ومن مسافة غير قريبة، واستقرّ في الخاصرة اليمنى»، وهذا يعني أنّ الرصاصة أتت من الأعلى الى الأسفل، وبالتالي هناك استحالة أن يكون العيار الناري قد صدر من أمام منزل وهاب حيث وجود العناصر الامنية، مع العلم أنّ محمد بو ذياب كان موجوداً في الطابق الثاني من المنزل، فيما بقية المسلّحين يُطلقون العيارات النارية في الهواء الطلق ومن أبنية مجاورة أعلى من منزل وهاب.

وتفيد أوساط مطّلعة أنّ توجيه الرصاص في اتجاه عناصر «المعلومات» كان سيؤدي حتماً الى مجزرة وكارثة كبيرة، لأنّ القوة الموجودة كانت ستضطرّ الى الردّ على مصادر النيران.

ويقول هؤلاء «انّ مجرد عدم قيام مرافقي وهاب بإطلاق النار في اتجاه العناصر، يعني أنه لم يبادر هؤلاء بطبيعة الحال الى استهداف المسلحين المنتشرين في محيط القصر لا عند الوصول ولا عند الانسحاب».

جَزم وهاب، وفق «تقرير الطبيب الشرعي» كما قال، أنّ الرصاصة التي أصابت بو ذياب هي من نوع M16 أو M4، أطلقت من سلاح أميري، فيما تؤكّد مصادر أمنية أنّ الـ M4 من عيار 5,56 ومرافقو وهاب يملكون هذا السلاح، وقد رصدت صورة لأحد مرافقي الوزير السابق على فايسبوك، مِمّن كانوا يشاركون في إطلاق النار أمس الأول، ويُدعى سماح حسام الدين، حاملاً بندقية M4 !

وحتى الآن، وفق المعطيات، لا تأكيدات أنّ الرصاصة التي قيل إنها أصابت بو ذياب هي نفسها التي اخترقت جسده، مع تَعذّر التأكّد من المسألة في مستشفى الرسول الأعظم التي دخلها بو ذياب عند الخامسة والربع مساء السبت وفارقَ الحياة عند الساعة الحادية عشرة ليلاً.

وبَدا لافتاً تمييز وهاب بشكل واضح بين اللواء عثمان الذي اتهمه بـ»زَرع» قنّاص ضمن المجموعة الأمنية التي توجّهت الى الجاهلية لاستهدافه، الأمر الذي تنفيه مصادر أمنية بشكل مطلق، وبين رئيس «شعبة المعلومات» العقيد خالد حمود واصفاً إيّاه بـ«إبن المؤسسات» ومُستعد في أي وقت «لأشرب فنجان قهوة في مكتبه». كذلك، توجّه وهاب الى الضابط الذي كان مكلّفاً إبلاغه الحضور، العقيد خالد عليوان، مؤكّداً أنه «ضابط محترم وآدمي… وجَنّب البلدة مذبحة حيث أمر عناصره بالانسحاب، وكان قراره حكيماً».

مع العلم أنّ مُطّلعين يجزمون أنّ العدد الكبير من العناصر والآليات التي توجّهت الى الجاهلية، كانت فقط تَحسّباً لتعرّض المجموعة لإطلاق نار ولتطوّر الأمور سلباً، «فيما المنحى السلمي الذي سَلكته الأحداث أمس الأول أظهرَ أنّ عمل «المعلومات» هو أمني وليس سياسياً، وأنّ «الشعبة» كلّفت المهمة ولا تستطيع رفض تنفيذها»!