توصية البطاركة لإنقاذ الجامعة اللبنانية! (رولان خاطر)

تحقيق رولان خاطر

بات لزاماً على المسؤولين في لبنان النظر بطريقة مختلفة إلى ملف الجامعة اللبنانية. بات لزاماً أن يعكسوا حرصاً لا ينطلق من خلفية تحاصص ومكاسب مذهبية وطائفية وسيطرة فريق حزبي وسياسي على الجامعة، فهذا المسار اذا استكمل، سيدمّر ما بقي من الجامعة اللبنانية، إنما من منطلق ان هذا الصرح العلمي التاريخي الكبير هو لكل اللبنانيين، بعيد عن اي تناتشات سياسية وحزبية، مهمته تقديم تعليم نوعي للشباب اللبناني، والأهم وجود الآلية التي تمكّن هذه الجامعة من الاستمرار في ظل تراجع الدولة عن دعم القدرات العلمية الرسمية في لبنان.

التوصية!

مشكلات الجامعة اللبنانية والدعاوى بين أساتذتها، وخصوصاً تلك التي قدمها رئيس الجامعة بحق عدد من زملائه، إضافة إلى ما وصل إليه مسار الجامعة اللبنانية المنحدر بشكل دراماتيكي، بسبب “التعدي على الحريات العامة في الجامعة، والانقلاب على الميثاقية، والاخلال بالتوازن الوطني والاعراف الأكاديمية وانتهاك استقلالية الجامعة والتدخل الفاضح في مساراتها الأكاديمية”، كان محط اهتمام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، الذي أخذ على عاتقه دق جرس الانذار ووضع الآليات الضرورية لحماية الجامعة اللبنانية، فأصدر القرار – التوصية بعد دورته الـ52 في 16 تشرين الثاني 2018، طلب فيه استكمال المجمّعات الجامعية في كل لبنان، والذي اصلا يوجد قرار فيه في مجلس الوزراء منذ 10 سنوات تقريباً، اي في 5/5/2008، والتوجه نحو خيار جامعات لبنانية مستقلة قانونياً، إدارياً وأكاديمياً، ينسق بينها مجلس أعلى للتعليم العالي الرسمي للسهر على وحدة التوجهات الوطنية وعلى المستوى الأكاديمي”.

روح القرار ومنافعه!

الدعوة نحو التوجه لإقامة جامعات مستقلة، ليس فيه مصلحة شخصية بحسب ما يقول مصدر كنسي لـIMLebanon، لأن البطاركة ليس لهم مصلحة شخصية وليسوا فريقاً سياسياً انما يريدون رؤية مصلحة الشباب اللبناني خصوصا اننا في ازمة اقتصادية خانقة، وبالتالي المطلوب أن تحقق الجامعة اللبنانية قفزة نوعية تفتح أبواب التعليم النوعي للشباب بقدرة اقتصادية مقبولة. وموضوع اقامة جامعات لبنانية مستقلة، هدفه تلبية حاجات المناطق التي تتواجد فيها هذه الجامعات، وخدمة شبابها، مادياً وثقافياً وتربوياً ووطنياً. كما يساهم بالقضاء على الروتين الموجود في الإدارة، خصوصاً أن هناك فروعاً للجامعة اللبنانية موجود في عدد من المناطق، إلا أن المركزية المفرطة تؤدي إلى عدم تسيير الأمور والعرقلة على مستويات عدة إدارية وتعليمية، مما يحدّ من تطور وتقدم الجامعة.

فاستقلالية هذه الجامعات وتحقيق نوع من اللامركزية فيها، يساهم في تطورها، وانهاء الروتين الاداري، ويخلق نظرة جديدة مختلفة ونموذجاً متقدماً يساهم حتى بايجاد فرص عمل للمتخرجين من هذه الجامعات، فتتحول الجامعة الى ان تكون مؤسسة منتجة، بمعنى انها يجب ان تشارك بتأمين مصاريفها وان تلتزم مشاريع تؤمّن لها الاموال اللازمة للبقاء والاستمرار والقيام برسالتها، من دون أن تعود بحاجة إلى دعم مركزي. فتسيّر نفسها ذاتياً وتلبّي المحيط التي تنطلق منه. هذا مع العلم ان شهادة الجامعة اللبنانية قيمتها غالية وكبيرة. وبات ضرورياص اليوم أن تقوم الجامعة بقفزة نوعية وتستقطب عددا كبيرا من الطلاب، لأن الجامعة في التسعينيات كانت تضم نحو 65% من طلاب لبنان، بينما اليوم لم يعد تتخطى النسبة الـ35%.

الدكتور عصام خليفة، وهو أستاذ في الجامعة اللبنانية، أيّد قرار البطاركة والأساقفة الكاثوليك، واعتبر أن من لا يريد تطبيق موضوع الجامعات المستقلة يعمل على خدمة الجامعات الخاصة، خصوصاً أنه في الـ2008 صدر قرار في مجلس الوزراء ببناء جامعات لبنانية، فلماذا لم ينفذ؟

خليفة الذي نفى عبر بشكل قاطع عن أن هناك من يربد تقسيم الجامعة، اكد لـIMLebanon على ضرورة تحقيق اللامركزية في إدارة الجامعة، إذ انه من المستحيل ان يدير رئيس الجامعة 80 الف طالب موجودون اليوم في الجامعة وكادر بشري اداري ولوجستي كبير، من هنا فإن اللامرزية امر ضروري وهي ليست تقسيماً.

وذكّر خليفة بأن هناك بناء الفنار وبناء الحدث يصلحان فقط للتعليم، فيما بقية الأبنية غير صالحة للتعليم ولا تتوفر فيها شروط التعليم العالي بل هي ابنية سكنية مستأجرة، لذا من المهم انشاء ابنية جديدة، وتحقيق اللامركزية وتقوية الادارة لاستقطاب العدد الكبير من الطلاب فيما بعد، مذكّرا بأن هذه الجامعات مستقلة انما سيكون عليها مجلس أعلى للتعليم العالي الرسمي يسهر على حسن تطبيق التوجهات الوطنية والاكاديمية.

وأضاف خليفة: “الجامعة اللبنانية اليوم تحت جزمة فئوية وذاهبة الى مزيد من الانهيار. لذا اني اؤيد موقف البطاركة وهو موقف صحيح وهو ينطلق من معيار التفاعل والعيش المشترك. واشار إلى أنه من المفترض ان تكون الدولة مسؤولة عن تعليم معظم طلابها وليس عن قسم صغير منهم فقط.

وقال ردا على سؤال: “هناك فلتان وتحكّم من فئات معينة فتحولت الجامعة عن هدفها. ومطلبنا عودة القانون الى الجامعة والمطلوب استقلالية الجامعة”. واضاف: “علينا ان نقول الحقيقة واهل السياسة ان يتحملوا مسؤولياتهم”.

الدكتور انطونيو خوري، وهو أيضاً استاذ في الجامعة اللبنانية، اعتبر في حديث لـIMLebanon أن بيان البطاركة دق ناقوس الخطر، شرح ان هناك مشكلة على ضوء التقارير التي اتته مرفقة بالوثائق، والتي تؤكد أن هناك انهياراً، وان الجامعة تتحول من جامعة لكل لبنان الى جامعة لفريق معين، من هنا، في ظل المشاكل الكبيرة والخطرة التي تعانيها الجامعة نشدد دائما على المساءلة لتصحيح الأمور.

خوري لفت الى ان الجامعة اصبحت من لون واحد والأمور تزيد صعوبة واطلاق صرخة اليوم افضل من الغد. وما طرحه مجلس البطاركة ليس خطأ تقسيمياً، إنما يجب ان يكون هناك جامعات مستقلة تقدم تعليما نوعياً وتكون الجامعة مرتبطة ببيئتها اكثر وتتفاعل مع البلديات والجمعيات فيها، وتؤمن حاجات محيطها. كما انه ليس المطلوب ان تكون جامعات طائفية كما هي اليوم. لذلك، فإن اللامركزية في الجامعة تحل كل شيء.

القرار – التوصية الذي أصدره مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك موجه للسياسيين الى اعلى المستويات. لأن ادارة الجامعة يمكن ان تعطي رأيها فقط، لكن القرار سياسي وليس ادارياً. وهذا الأمر لن يكلف الدولة اي اعباء مالية بل المطلوب اتخاذ القرار من الأعلى. وفي هذا السياق، فإن جمعية “اصدقاء الجامعة اللبنانية” تعمل على تحضير قانون جديد انطلاقاً من التوصية، ستحاول ايصاله كمشروع قانون إلى مجلس النواب لدرسه واقراره. وهي لهذه الغاية، ستقوم بالتواصل مع كل الفرقاء والأطراف السياسية في لبنان بدءا من الرؤساء الثلاثة لوضع الجميع امام مسؤولياتهم، وإلا سنشهد انهياراً للجامعة اللبنانية.