هذا ما دار بين المجتمعين في لقاء بكركي

تحت قبّة بكركي التي اُعطي لها “مجد لبنان”، احتشد النواب الموارنة بدعوة من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي لاطلاق “نداء الوطن” إنقاذاً للجمهورية وللوحدة الوطنية المُهددة وحمايةً للنظام السياسي من الأعراف والفتاوى “الغريبة” عن جوهره والتي تضرب عرض الحائط صيغة العيش المشترك المكرّسة بالمناصفة وتؤسس لتعديلات في اتّفاق الطائف تأتي على حساب المسيحيين.

وعلى رغم تأكيد الراعي في معرض افتتاحه اللقاء الماروني على “أن “جَمعتنا” تشاورية وليست موجّهة ضد أي طرف سياسي، إلا أنها أعادت التشديد على أهمية دور المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً في حراسة هيكل الكيان اللبناني المتنوّع في وحدته انطلاقاً من دورهم التاريخي في تثبيت دعائمه عشية مئوية إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920.

وتنشر “المركزية” فيما يلي بعض النقاشات التي دارت في اللقاء وقد استقتها من مصادر مختلفة، واستعرضت جميعها للأزمات العاصفة بالبلد وطرق علاجها من وجهة نظر المتحدّثين.

وعلى رغم الاختلاف في وجهات النظر حول مواضيع البحث، الا ان جوّ النقاش كان هادئاً وركّزت معظم الكلمات على ان لا يُمكن حلّ المشكلات التي تعصف بالبلد دفعةً واحدة، لان لكل واحدة ظروفها ولاعبيها، الا انه متى عالجنا المشكلة الداهمة الان اي تشكيل الحكومة، تُصبح الازمات الاخرى (المعيشية الاقتصادية، المالية والاجتماعية) كلعبة الدومينو تتساقط تباعاً بعد تحريك “حجر” الحكومة.

وكان اجماع على الدور التاريخي للمسيحيين عموماً وبكركي خصوصاً في تثبيت فرادة الصيغة اللبنانية وتأسيس دولة لبنان الكبير التي يُحتفل بمئويتها بعد عام، وعلى الميثاق الوطني الذي كرّس اولوية لبنان (لا شرق ولا غرب) وإبعاده عن نار “جحيم” لعبة المحاور التي لا يخسر فيها سوى اللبنانيون.

وافتتح البطريرك الراعي سجل المداخلات بكلمة ارتجالية لم تخرج عن سياق كلمته المكتوبة في بداية اللقاء، لتكر بعده سبحة كلمات المشاركين. وكان اوّلها للوزير جبران باسيل الذي ركّز على الدور المسيحي في السلطة وضرورة تقويته باستعادة الحقوق، وهناك فرصةً اليوم بتحقيق هذا الامر من خلال تكريس الثلث الضامن في الحكومة من حصّة رئيس الجمهورية ليُصبح عرفاً يُستخدم في العهود والحكومات مستقبلاً.

وبحسب المعلومات، “فقد انطلق رئيس “التيار” في مداخلته من التشديد على اهمية استعادة حقوق المسيحيين في السلطة وهذا لا يتم الا عبر تقوية موقع رئيس الجمهورية من خلال “تسليحه” بورقة ضغط ثمينة (الثلث الضامن) في السلطة التنفيذية حيث لا يصوّت على مقرراتها كما نصّ الطائف، فيكون الثلث بيده لتحقيق التوازن. وهذه المعركة التي نخوض غمارها الان ستُثبّت كعُرف اثناء تشكيل الحكومات في العهود اللاحقة”.

واشار رئيس “التيار” الى وجود اساسيات لا يجب ان نختلف عليها اهمها حصة رئيس الجمهورية في الحكومة وتكريسها كعرف في حكومات المستقبل، اضافةً الى “نوعية” الرئيس لناحية ان تكون له حيثية وتمثيل شعبيان”.

الا ان “تبريرات” باسيل لمعركة الثلث الضامن لم تُقنع رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية فعاجله بالردّ، موضحاً “ان المعضلة الاساس الان انه لا يُمكن “اسر” البلد وشلّ مؤسساته بذريعة الحصول على الثلث الضامن، والوطن لا يُفصّل على قياس فريق واحد وانما بالشراكة المتوازنة بين مختلف اطيافه”. فالثنائي الشيعي ضد الثلث، وهو ما يعطل تشكيل الحكومة.

واعتبر فرنجية ان “بدعة” الثلث الضامن لتحصيل حقوق المسيحيين لا تُصرف في السوق السياسي”.

وذهب بعيداً في “تشريح” “حجج” باسيل، باشارته الى “ان مشكلة “التيار الوطني الحر” هي مع المسيحيين حصراً لا مع القوى السياسية، لانه يريد إقصاء المكوّنات المسيحية الاخرى وتهميش دورهم والظهور بأنه هو من يتحدّث بإسمهم ويدافع عن دورهم ويُحصّل حقوقهم المهدورة، وسعيه للحصول على الثلث في الحكومة ليس “محبةً” بالمسيحيين وانما خدمةً لحقوق تياره السياسي حصراً واستيلائه على التعيينات ومكاسب حكومية اخرى.

وذكّر فرنجية باسيل “بان التنوّع المسيحي “مضرب مثل” وهو غنى لطائفتنا، اما الثلث الضامن انما هو “تقوقع” طائفي يُناقض التعددية ويختزل المسيحيين بفريق سياسي واحد وهذا ما يرفضه المسيحيون”.

“القوات”: وبعد ان انتهى “سجال الثلث” بين باسيل وفرنجية، نقل نواب “القوات اللبنانية” موقف حزبهم ورئيسه سمير جعجع من الازمة بمداخلات اتت مطابقة لنداء بكركي وكلام الراعي عن خلق اعراف جديدة.

وركّز النائب جورج عدوان في مداخلته على “الدولة وضرورة قيامها وتقويتها وتعزيزها”، وقال “الدولة اليوم متعثرة، لكن عندما نتفق نستطيع ان نعزّز منعتها، واي اتفاق بيننا يجب ان يكون على ما يجمعنا كلبنانيين وهو الدولة والدستور والنظام والقانون، ولا قيام للدولة من دون هذه المرتكزات الأساسية”.

ولفت إلى ان “المشكلة تكمن في أنه بدلاً من بناء الدولة يُعمل على المحاصصة بعيداً من الثوابت الوطنية وعلى حساب المصلحة العليا للدولة”. وتابع “نتمسك كـ”قوات لبنانية” بالدستور و”اتفاق الطائف” ودعم الرئاسات الثلاث وكل المؤسسات الدستورية والشرعية”.

وأشار إلى “ان مصلحة الوطن تتأمّن من خلال مصلحة كل مواطن، ولبنان لجميع اللبنانيين، ونؤكد على دعمنا ثوابت بكركي الوطنية، ونطالب بضرورة تأليف حكومة اليوم قبل الأمس وأن يحزم رئيس الجمهورية والرئيس المكلف أمرهما في هذا الاتجاه، لأن البلاد لم تعد تحتمل المزيد من التأخير”.

اما النائب بيار بو عاصي فلفت إلى أن “المشكلة تكمن في عدم تطبيق الدستور في لبنان، واستسهال تجاوزه من خلال خلق أعراف تتناقض مع روحيّة اتفاق الطائف ونصوصه”، معتبراً أن “مسألة الدولة محورية وأساسية بالنسبة إلينا كقوات لبنانية حيث أن مشروعنا السياسي يتركز على قيام دولة فعلية التي من دونها لا قيامة فعلية للبنان”. ودعا إلى “ضرورة إعلاء الحوار في العلاقات بين بعضنا البعض كمدخل أساس لحل كل الخلافات والتباينات”.

من جهته، قال النائب شوقي الدكاش “توافقنا على أمور أساسية، ونقلنا مخاوف الناس وهواجسها، وأكدنا أن بكركي كانت وما زالت وستبقى مرجعية وطنية لكل اللبنانيين، وكل ما يصدر عنها يعبّر عن جميع اللبنانيين وليس عن فئة لبنانية واحدة. وبالاتفاق نستطيع أن نفعل الكثير، وهذا ما حصل من خلال ترشيح القوات اللبنانية للعماد عون و”اتفاق معراب”، هذا الاتفاق الذي فتح طريق بعبدا وأكدنا من خلاله أنه بالتفاهم نستطيع أن نحقق المعجزات”.

وركّز النائب طوني حبشي في مداخلته، على وجع الناس وقلقهم ووضعهم المعيشي والاقتصادي، “من هنا ضرورة تأليف الحكومة فوراً”، وتابع “ندعم رئيس الجمهورية والرئيس المكلف ونحثهما على تأليفها وفق رؤيتهما، والمجلس النيابي يتحمّل مسؤوليّته في منحها الثقة أو حجبها عنها”.

وشدد على “رفض اي مساس بالدستور والتمسّك بمشروع الدولة الذي وحده يشكّل المظلة لجميع اللبنانيين”.

وتحدث النائب فادي سعد عن اهمية اللقاء في بكركي، رافضاً الاكتفاء بتشخيص الواقع اللبناني، ودعا إلى “ضرورة اجتراح الحلول من أجل الحفاظ على الحضور المسيحي تأكيداً على مبدأ الشراكة والعيش المشترك والميثاق اللبناني”، واعتبر أن “استعادة الدور الوطني المسيحي، معبره الدولة اللبنانية والدستور والقوانين والشرعية، الأمر الذي يجعلنا كـ”قوات لبنانية” نرفع عنوان الدولة كأساس في مشروعنا وأهدافها السياسية، لأنها الوحيدة القادرة على إيصال اللبنانيين إلى شاطئ الأمان”.

الكتائب: والامر نفسه بالنسبة لـ”الكتائب” التي تحدّث باسمه النائب سامي الجميل عارضاً للمخاوف من المرحلة المقبلة اذا ما بقينا “نتلهى” بالتفاصيل، مكرراً دعوته الى تشكيل حكومة اختصاصيين تنشل البلد من الازمة الراهنة.

“التيار”:  قال النائب زياد اسود في مداخلته لاتفاق الطائف ونتائجه ومآثره السلبية على الحياة السياسية المسيحية. وقائل للموجودين “منكم من دخل اتفاق الطائف ثم خرج منه، ومنكم من دعمه واستثمر به، ونحن دخلنا اليه متأخرين واكتشفنا ما هو. فهذا جوهر موضوع اختلاف سياسي عام للمسيحيين وليس الخلاف على وزير بالطالع او وزير بالنازل. فما نراه من غياب للمسيحيين عن ادارات الدولة ومن مخالفات دستورية ومطالبات لنا بالتضحية في مقابل إمعان الآخرين بسلوك سياسي خاطئ لم يختلف عن السابق مما زاد إمعاناً في تخريب البلد، ومن دون اي تنازل من الآخرين لم يعد مقبولا. فالمطلوب اليوم تصحيح الدستور بالممارسة ان لم يكن بالنصوص”، مضيفاً “اليوم لدينا رئيس جمهورية قوي هو العماد ميشال عون وعلينا الان ان نعمل على تصحيح الخلل المطلوب والا لن نستطيع تصحيحه لاحقاً وسيفشل الجميع لاحقاً”.

وتابع “الى الان لم يتم وضع الإصبع على المشكلة الحقيقية التي تتمثل بعدم قبول الآخر، استغلال الآخر للوضع العام على حسابنا، وعلى المسيحيين ان يتكاتفوا ويساعدوا من اجل حل هذا الموضوع والعمل على تحصين الأداء بالممارسة واستنهاض المسيحيين، وهذا لن يحصل الا في عهد الرئيس ميشال عون لانه الوحيد القادر على خلق التوازنات المطلوبة مع اتفاق الطائف الذي اُسيء تفسيره، فأوصلنا الى ما وصلنا اليه سياسياً واقتصادياً ومالياً، خصوصاً اننا لم نكن شركاء ولا مرة في اي قرار سياسي او اقتصادي او مالي او حتى على مستوى الدولة ككل”.

اما النائب آلان عون فقال في مداخلته “ان ما يحصل الان في البلد ينفجر في وجهنا لانه للمرة الاولى بدأت تتكشف فعلياً ممارسة الدستور. اذ انه لا ايّام الوصاية السورية ولا بين السنوات ٢٠٠٥-٢٠١٦ استطعنا رؤية وتمييز حجم المشكلة بسبب الصراع الإقليمي وشلل المؤسسات جرّاء ازمات متلاحقة. اما الآن، ومنذ ٢٠١٦ اصبح لدينا رئيس قوي و١٥ وزيراً ونائبا، لكننا نصطدم بنظام صعب قائم على شيء اسمه “توافق”. وهذا ناجم من دستور الطائف الذي وضع كل شيء بيد الطوائف، فلماذا نستغرب او نُلام عندما نتطالب بحصص”.

واضاف “نظرياً عندك صلاحيات للرؤساء، لكن عملياً هي لعبة طوائف كل واحدة منها تملك حق النقض، فلا إمرة للرؤساء على المؤسسات ولا حتى على وزير واحد، كما ان الدستور خاضع للتوازنات وليس للنص والمشكلة التي تواجهنا الآن ستبقى تواجهنا دائما ومع كل رئيس جمهورية اذا لم نعالج المشكلة الدستورية او نعوّض عنها بتفاهمات سياسية”.

اتّفاق على الخطر: وفي وقت يعتبر البعض ان نتائج خلوة بكركي قد لا تتظهر فوراً، على أن تبدأ في الانعكاس سرعة في تشكيل الحكومة في المرحلة المقبلة، فإن معلومات “المركزية” تفيد بأن جميع المشاركين في اللقاء متفقون على ان الخطر الذي يواجهه لبنان بات داهما، ولا يحتمل ترف التأجيل والانتظار، وان كان المشاركون يختلفون في توصيف اسباب التعطيل الراهن. إنطلاقا من هنا، يمكن القول ان الاجتماع الذي بادر إليه الراعي شكّل فرصة متاحة امام الزعماء والنواب الموارنة للاستماع إلى مختلف وجهات النظر، وادى ذلك إلى البناء على الأرضية المشتركة التي ظهّرها البيان الختامي.

وعلمت “المركزية” ايضا ان المجتمعين استعرضوا طرح حكومة الاختصاصيين الذي يرفع لواءه حزب “الكتائب” منذ اكثر من شهرين، في موقف ايّدته بكركي كما بعض الدائرين في فلك العهد. وبحثوا ايضا في ملف التسوية، من زاوية كونها لم تؤد الهدف المرجو منها، ذلك ان بعض اطراف هذا الاتفاق ارتضوا “التخلي عن الدولة من اجل ممارسة السلطة”، إلا ان الأمور لم تسر على هذا النحو. وتوقعت مصادر عليمة عبر “المركزية” ان يصار، في مرحلة لاحقة، إلى توسيع رقعة الاتصالات السياسية بناء على النتائج التي خرج بها لقاء بكركي.