خطاب ترامب… غموض حول سوريا وسلام مع “طالبان”

كتب حسين عبدالحسين في صحيفة “الراي” الكويتية:

في الساعات التي سبقت ادلاء الرئيس دونالد ترامب بخطاب حال الاتحاد، عكف المسؤولون في البيت الابيض على الدردشة مع الصحافيين لاطلاعهم على ما يمكن توقعه في الخطاب الرئاسي السنوي. قال المسؤولون ان الخطاب سيتمحور حول عنوانين رئيسين: الاقتصاد والسياسة الخارجية. واعتبر المشاركون انه من الطبيعي ان يخصص ترامب الجزء الاكبر من خطابه الى الملفين اللذين يعتبرهما في طليعة نجاحات ادارته، ومشدداً على ان «الأمم الكبرى لا تخوض حروبا بلا نهاية».

الا ان الجزء المخصص للسياسة الخارجية في الخطاب لم يرق الى وعود المسؤولين للصحافيين، فترامب تحدث بشكل مختصر، ولم يعلن اي مواقف جديدة، رغم انه، قبل ساعات من موعد الخطاب، كان مجلس الشيوخ قد وافق – بأكثرية الثلثين غير القابلة للفيتو الرئاسي – على «قانون قيصر»، الذي يفرض عقوبات اضافية على نظام الرئيس بشار الأسد، ما يقضي على امال دمشق بالحصول على اموال اميركية او غربية تحتاجها بيأس لعملية اعادة الاعمار ولحكم سورية في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي «قانون قيصر» ايضاً، نص يفرض على الرئيس ابقاء الفي جندي اميركي ينتشرون في المناطق السورية شرق الفرات، وهي المناطق التي كان يعتمد عليها نظام الأسد كمصدر طاقة ومدخول.

لكن ترامب حافظ على موقفه القائل بسحب القوات الأميركية في سورية، وان كان وعده بالانسحاب جاء غامضاً في خطابه، من دون تحديد اي تواريخ او تقديم تفاصيل. واكتفى بالاشارة الى ان الولايات المتحدة نجحت في اخراج داعش من 36 الف كيلومتر مربع، وان موعد عودة القوات الأميركية قد حان.

وقال: «عندما تسلّمت مهماتي، كان تنظيم الدولة الإسلاميّة يُسيطر على أكثر من 50 ألف كيلومتر مربّع في العراق وسورية».

وتابع: «لقد حرّرنا اليوم كلّ هذه الأرض تقريباً من قبضة هؤلاء القتلة المتعطّشين إلى الدّماء. وفي وقت نعمل جنباً إلى جنب مع حلفائنا لتدمير ما تبقّى من تنظيم الدولة الإسلاميّة، حان وقت التّرحيب بحرارة بأولئك الذين قاتلوا بشجاعة في سورية».

ولم يتطرق الرئيس الأميركي ابداً الى مصير القوات الأميركية الموجودة في العراق.

والى غموضه حول سورية، لف الغموض سياسة ترامب تجاه الصراع العربي – الاسرائيلي، فلا حديث عن القمة المخصصة لايران، المقررة منتصف الجاري في بولندا، ولا اشارة الى «صفقة القرن» للسلام التي دأب البيت الابيض على التسويق لها رغم عدم تقديم اي اطر لها او مضمونها، بل اكتفى الرئيس بالاشارة الى تنفيذ وعده بنقل السفارة الأميركية الى القدس، فيما بدا وكأنها خطوة سياسية يسعى من خلالها لحصد تأييد اصدقاء اسرائيل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

كذلك، تحدث ترامب باختصار عن ايران «الديكتاتورية الفاسدة»، وان عكف في الوقت نفسه على وصفها بأقسى النعوت الممكنة، وقال: «ادارتي تحركت بشكل حاسم لمواجهة اكثر دولة راعية للارهاب حول العالم، اي النظام الراديكالي في ايران». واضاف «انهم يفعلون اشياء سيئة سيئة».

وتابع ترامب ان ادارته فرضت اقسى عقوبات ممكنة على ايران، وان الولايات المتحدة لن تشيح بنظرها عن هتافات «الموت لاميركا»، ولا عن التهديدات بالقضاء على الشعب اليهودي.

الملف الخارجي الوحيد الذي تطرق إليه ترامب ببعض التفصيل هو افغانستان، التي اعتبرها في الشرق الاوسط، رغم ان تصنيف وزارة الخارجية يعتبرها في منطقة جنوب آسيا. وقال ان «حروب الشرق الاوسط دائرة منذ 19 عاماً»، وانها ادت الى مقتل سبعة الاف اميركي وجرح 50 الفاً آخرين، وانها كلفت الولايات المتحدة سبعة تريليونات من الدولارات.

وقال ان بلاده تتفاوض مع مجموعات متعددة في افغانستان، منها «طالبان»، وان هذه المجموعات – كما الولايات المتحدة – ادركت ان وقت القتال انتهى، وانه حان وقت السلام. وأكد ان مع نهاية حرب افغانستان، يمكن لأميركا ان تخفض عدد قواتها هناك، وان تركز اهتمامها على مكافحة الارهاب.

وبخصوص فنزويلا، ربط ترامب هذا الملف بالسياسة الأميركية في محاولته تشبيه معارضيه الليبراليين بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وفي تناقض لسياسته القائمة على مبدأ عدم التدخل في نزاعات خارجية، دخل ترامب بقوة على خط الازمة، واعترف برئيس البرلمان خوان غوايدو «رئيسا انتقاليا».

وقال: «لقد ولدنا احرارا وسنبقى أحرار، ونجدد تصميمنا على أن أميركا لن تصبح أبدا بلدا اشتراكيا».

ورفض يساريون من أعضاء الكونغرس مثل هذه المقارنات وقالوا ان دعواتهم الى مساواة أكبر لا تقارن بأي شكل الى الفساد وسوء الادارة في فنزويلا.

كما حذّر الرئيس الأميركي، الصين، من أنّه لن يعود بإمكانها «سرقة الوظائف والثروة الأميركيّة»، مطالباً  بـ«تغييرات هيكليّة» من بكين لإنهاء ممارساتها التجاريّة «غير العادلة».

وقال: «أكنّ الكثير من الاحترام للرئيس (الصيني) شي (جينبينغ)، ونحن نعمل على اتّفاق تجاري جديد مع الصين، لكنّه يجب أن يتضمّن تغييرات هيكليّة حقيقية لإنهاء الممارسات التجاريّة غير العادلة وخفض العجز المزمن لدينا وحماية الوظائف الأميركية».

وتنتهي في الأوّل من مارس مهلة اتّفق عليها الرئيسان الصيني والأميركي من أجل التوصّل إلى اتفاق لتسوية الخلافات التجاريّة بين البلدين، وإلا فإنّ واشنطن تُهدّد بفرض رسوم جمركية مشددة على شريحة جديدة من البضائع الصينية المستوردة.

وتعهد الرئيس الأميركي أن تتفوق الولايات المتحدة على روسيا في الانفاق على برامج الصواريخ في غياب اتفاق دوليّ جديد بعد أن انسحب من معاهدة رئيسية تنظم المسألة تعود لحقبة الحرب الباردة.

وأعلن ترامب الجمعة بدء واشنطن عملية الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (آي.إن.إف) الموقعة في العام 1987 في غضون ستة أشهر، متعللة بانتهاك موسكو المتواصل للمعاهدة بنشر نظام صواريخ جديد وتجاهل شكاوى واشنطن المتكررة.

وقال: «خلال إدارتي، لن نعتذر أبدا عن وضع مصالح أميركا أولا». وتابع: «من المحتمل أن نتفاوض من أجل اتفاق مختلف بإضافة الصين وآخرين. أو ربما لن نستطيع… وفي هذه الحالة سنتفوق بالانفاق والتطوير على كل الآخرين بفرق كبير».

وداخلياً، حض ترامب في خطابه، الاميركيين على الوحدة سعياً منه لطي صفحة سنتين من الانقسام الحزبي.

وفيما كان يمازح أعضاء الكونغرس أحياناً، وفي أحيان أخرى يتحدث باندفاع، قال ترامب «يجب أن نرفض سياسات الانتقام وأن نغتنم الإمكانات اللامحدودة من التعاون والوفاق».

وأضاف: «معاً، نستطيع كسر عقود من الجمود السياسي. يمكننا التغلّب على الانقسامات القديمة، شفاء الجروح القديمة، بناء تحالفات جديدة، تطوير حلول جديدة وإطلاق عنان الوعد الاستثنائي لمستقبل أميركا. اتّخاذ القرار متروك لنا».

وتابع «يُمكننا جعل مجتمعاتنا أكثر أماناً، وعائلاتنا أقوى، وثقافتنا أكثر غنى، وإيماننا أكثر عمقا، وطبقتنا المتوسطة أكبر وأكثر ازدهارا من أي وقت مضى».

وشدد ترامب على أقوى ورقة في يده أمام الناخبين وهي الازدهار الاقتصادي، قائلا إنه «أفضل اقتصاد في العالم»، داعيا الى مبادرة موحدة لاستئصال مرض الايدز من الولايات المتحدة في غضون عقد من الزمن.

وشدد على أنّ هناك «معجزةً اقتصاديّة تحدث في الولايات المتّحدة، والأشياء الوحيدة التي يُمكن أن توقفها هي الحروب الحمقاء أو السياسة أو التحقيقات السخيفة والمنحازة». وأردف «يجب أن نكون متّحدين في بلدنا لهزيمة خصومنا في الخارج».

لكن الهدف الرئيسي من الخطاب حيث قاطعه مرات عدة الجمهوريون بالتصفيق الحاد، كان عرض رؤية رئاسية أكثر شمولية استعدادا لانتخابات العام 2020.

وكان الانقسام ظاهرا منذ دخول ترامب مجلس النواب، حيث تدافع الجمهوريون لمصافحته فيما بقي معظم الديموقراطيين بعيدا عنه.

وحين وصل ترامب الى موضوعه المفضل وهو بناء جدار على الحدود المكسيكية لوقف تدفق المهاجرين غير القانونيين، كان الديموقراطيون يهزون رؤوسهم بغضب.

وقال «بكلّ بساطة، الجدران تنفع والجدران تُنقذ أرواحاً. لذا، دعونا نعمل معاً على تسوية، ولنتوصّل إلى اتفاق يجعل أميركا آمنة حقّاً». وأضاف بلهجة تحد «سأبنيه» وسط تصفيق حاد من الجمهوريين وصمت من الديموقراطيين.

كما تعهد الرئيس الأميركي القضاء على فيروس «اتش.آي.في» المسبب لمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في الولايات المتحدة خلال عشر سنوات.