دجاجة الذهب والبقرة الحلوب (بقلم بسام أبو زيد)

يعتبر التوظيف السياسي في الدولة واحدا من أهم أوجه الفساد في لبنان، وهو ليس ظاهرة جديدة بل هو ممتد منذ الاستقلال وحتى اليوم، إذ ان المتعاقبين على الحكم في مختلف سلطاته اعتمدوا هذه الوسيلة من أجل إرضاء أنصارهم ومحازبيهم وكي تبقى أصواتهم في الانتخابات النيابية تصب لمصلحتهم، فجعلوا من الدولة ومؤسساتها مشاعا لهم يتصرفون بها كما يشاؤون من دون حسيب أو رقيب.

هذه الظاهرة تفاقمت بعد انتهاء الحرب وحتى اليوم وتجاوزت كل الحدود المسموح بها حتى أصبحت بكلفتها المالية العبء الأساسي الذي يهدد خزينة الدولة. وقد أمعن السياسيون في هذه الجريمة رغم كل التحذيرات المحلية والعالمية ورغم كل القرارات والقوانين التي منعت وتمنع التوظيف فتم تجاوزها من دون أي حرج تحت العديد من المسميات والذرائع.

في خضم هذه الحقائق تقول الحكومة الجديدة في بيانها الوزاري إنها ستتوقف عن التوظيف، ولكن التجربة في السنتين الاخيرتين ليست مشجعة أبدا، ففي موازنتي العامين 2017 و2018 مواد تنص على وقف التوظيف، وكذلك الحال في قانون سلسلة الرتب والرواتب الذي نص أيضا على ضرورة إعادة هيكلة القطاع العام، ولكن كل ذلك بقي حبرا على ورق واستمرت عملية التوظيف السياسي من قبل القوى السياسية التي كانت موجودة في الحكومة السابقة وشملت الالاف من المواطنين، وهذه القوى هي ذاتها الموجودة في الحكومة الحالية فهل ترغب فعلا في وقف هذه الرشوة وهذا الفساد والاستغلال المنظم لمقدرات الدولة؟

الكلام السياسي اليوم يتجه إلى أن قوى التوظيف السياسي تخشى من الوضع الذي وصلت إليه خزينة الدولة، وان تجاوز الخط الأحمر سيسقط الهيكل فوق رؤوس الجميع ولذلك تدعو هذه القوى إلى البدء بعملية إصلاحية تعيد إلى مؤسسات الدولة وماليتها بعضا من الروح كي تتمكن من الاستمرار.

وكي يصبح هذا الكلام واقعا لا بد لقوى التوظيف السياسي ان تتخلى بداية عن نظرتها للدولة كمرتع لأزلامها، وإن تؤمن بأن هذه الدولة ومؤسساتها هي لخدمة جميع المواطنين اللبنانيين بطريقة صحيحة وفعالة وأنهم متساوون أمام القانون وفي الحقوق والواجبات وفي الفرص التي ستتيحها الضرورة للإنخراط في القطاع العام.

إن الامتحان الأساس لقوى التوظيف السياسي للإلتزام بكل الوعود والكلام عن إصلاح القطاع العام يبدأ بالفعل في التقيد التام بعملية وقف التوظيف، وقد يحصل هذا الأمر لا عن قناعة بل لوجود مجال آخر أكبر للتوظيف السياسي وغير السياسي وتحديدا في قطاع النفط والغاز والذي يفترض أن ينطلق العمل به فعليا في صيف العام الجاري، ويبدو أن شهية قوى التوظيف السياسي قد انفتحت على كل المواقع التي لها علاقة بهذا القطاع وصولا إلى الإلحاح لإنشاء الشركة الوطنية حيث ربما يسعى البعض ليشغل أزلامهم آلاف فرص العمل، وما ينسحب على هذه الشركة قد ينسحب أيضا على شركة ليبان تليكوم في قطاع الاتصالات.

لبنان سيبقى بالنسبة إلى البعض تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا أو تلك البقرة الحلوب، ولن يكون بالنسبة لهؤلاء يوما وطنا ودولة تستحق التضحية.