الشأن الإقتصادي في البيان الوزاري

كتب المهندس موسى فرنجي في صحيفة “الجمهورية”:

كما العادة ومنذ 1992، يأتي البيان الوزاري خالياً من الحلول الخاصة بالشأن الإقتصادي، إلّا بطريقة خجولة وبالعموميات من دون الغوص في التفاصيل.

مجموعة ملاحظات أساسية يمكن الخروج بها لدى التمعّن في البيان الوزاري الذي نالت على أساسه حكومة العمل الثقة، من أهمها ما يلي:

اولاً – لم يأت البيان الوزاري على ذكر السبل التي تخفّف مستوى البطالة الذي وصل إلى 35% وكأنّ الحكومة تحكم الحجر لا البشر.

ثانياً – لم يأت البيان أيضاً على أهمية المحافظة على خرّيجي الجامعات الذين يضطرون للهجرة والعمل خارج لبنان بدلاً من أن يكونوا العمود الفقري لتقدّمه.

بلغ عدد الخرّيجين السنوي 25,000 أي أنّ لبنان هجّر ما يزيد عن 600,000 خرّيج جامعي منذ 1992 بسبب اتّباع سياسة إقتصادية إنفتاحية إنفلاشية تخدم كل الدول الأخرى ولا تخدم لبنان.

الجدير بالذكر أنّ كلفة تنشئة وتعليم الـ 25,000 خرّيج تبلغ 12.5 مليار دولار، أي انّ لبنان يصدِّر كفاءاته وأدمغته مقابل تحويلات لا تتعدى السبعة مليارات دولار سنوياً أي بعجز يبلغ 5,5 مليارات دولار سنوياً.

ثالثاً – أهمل البيان ذكر العجز السنوي في الميزان التجاري الذي وصل إلى 17 مليار دولار في 2018 ، وكذلك الإنخفاض المتواصل منذ 10 سنوات في قيمة الصادرات، كما انه أهمل سبل معالجة هذا العجز.

لقد نتج هذا العجز المخيف جرّاء هرولة الحكومات المتتالية منذ 1992 لتوقيع إتفاقيات التبادل التجاري الحر مع دول ومع منظمات، كالإتفاقيات الثنائية مع مصر والسعودية والكويت وغيرها، واتفاقية المنطقة العربية الحرة برعاية جامعة الدول العربية، واتفاقية اليورو متوسطية مع الإتحاد الأوروبي. وجميع هذه الاتفاقيات تلزم لبنان بإلغاء الرسوم الجمركية على مستورداتها منها إلغاءً تاماً.

رابعاً – لم يتطرق البيان الى ذكر مفاوضة لبنان للدخول في منظمة التجارة العالمية، والتي ألزمت لبنان بتخفيض معدّل الرسوم الجمركية من كل دول العالم إلى ما دون الـ5%.

وبالرغم من انصياعه لهذا المطلب بقيَ لبنان عضواً مراقباً وليس دائماً حتى الآن، لأنه لم يلغِ الرسوم الجمركية المحدودة لبضعة منتجات زراعية نباتية وحيوانية.

خامساً – لم يأت البيان على ذكر المأساة الكبرى في عدم تشجيع الإستثمار في القطاعات الإنتاجية صناعيةً كانت أم زراعية، بسبب اتفاقيات التبادل التجاري الحر غير العادلة للمستثمرين ولا للقطاعات الإنتاجية اللبنانية. فإذا ظلّ الاستثمار غائباً فكيف لنا أن نوفّر فرص العمل لمُحتاجيها بعد أن فشلت السياحة والخدمات ووظائف الدولة في استيعابهم؟

جدير بالذكر هنا أنّ سياسة الانفتاح وتخفيض الرسوم الجمركية أدّت إلى إقفال العديد من الصناعات في لبنان والتوقّف عن العديد من الزراعات، وسقط الوهم الموعود منذ 25 سنة على أنّ سياسة الانفتاح ستفتح للمنتجين اللبنانيين أبواب الدنيا كلها لتصدير منتجاتهم، فإذا بها تجعل المنتجين يواجهون منافسة غير مشروعة بسبب الدعم المباشر وغير المباشر للمنتجين في البلدان المصدِّرة إلى لبنان، وكذلك دعم تصدير هذه المنتجات.

هذه الحكومة ستكون فاشلة حتماً، ما لم تُعِد النظر بسياستها الإقتصادية فتُجمّد العمل بكل اتفاقيات التبادل التجاري الحر من دون استثناء مع كل الدول منفردة أو مع المجموعات العربية والأوروبية لمدة زمنية غير محددة، وكذلك وضع رسوم جمركية فاعلة على كل ما ينتج وما يمكن إنتاجه في لبنان كي يحلّ هذا الانتاج محل المنتجات المستوردة، ويتمّ تصريفه في لبنان من دون عناء التصدير وإشكالاته المتعددة.

ربّ قائل انّ وضع رسوم جمركية على المنتجات المستوردة لإحلال إنتاج محلّي مكانها سيزيد من كلفة المعيشة. نعم هذا ما سيحصل، لكنّ رفع الحد الأدنى للأجور والذي يليها رفع تلقائي للأجور عموماً سوف يسدُّ هذه الثغرة.

فكم من مرة اضطرّت الحكومة لرفع الحد الأدنى للأجور بسبب غلاء قيمة المستوردات. فلِم لا تعتمد ذات الوسيلة لإنصاف الناس بسبب الغلاء المتأتّي من الرسوم الجمركية على المستوردات؟

هذا هو الحل للمعضلة الإقتصادية الملحّة، من دون إغفال واجبات الدولة في حل مشكلة الكهرباء والنفايات والبنى التحتية من طرقات وسدود والشؤون البيئية والتنقيب عن النفط والغاز وغيرها.