اعترافات مشارك في “14 آذار”! (بقلم يورغو البيطار)

كنتُ في سنتي الجامعية الأولى. كل شيء كان جديدًا، ليس فقط من الشق الاجتماعي، فمنذ بداية الدخول الى الجو الجامعي كان البلد مشتعلًا سياسيًا وكل تفصيل صغير في “كلية الإعلام” في الجامعة اللبنانية كان ينبض بهذا الاتجاه. كان عام 2005! هل تتخيلون عام 2005 وما حمله من تغييرات هائلة ما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن؟

في 14 شباط 2005 وصلت اصداء الانفجار الضخم الذي هز وسط بيروت إلى الجامعة في الفنار، شعر الجميع ان شيئاً ضخماً قد حصل، وبالفعل كان الحدث مدويًا، اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري. توقفت الدروس فورًا، ليبدأ شهر تاريخي من الاحداث العاصفة في لبنان.

ربما قليلة هي الاحداث التي تسكن ذاكرتي بتفاصيلها الدقيقة، ولعل أبرزها هو يوم “14 آذار 2005”. لا داعي لسرد تفاصيل هنا، فجولة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد 14 عامًا على ذلك اليوم التاريخي كافية لتخبر قصة الحلم وتروي عن الأمل بغد أفضل الذي اجتاح المشاركين في هذه الوقفة.

لكن، وربما بهدف مصارحة شخصية لا اكثر، لا بد من الاعتراف انه بعد 14 عامًا، تغير كل شيء، تغيرت انا، حسنًا من لم يتغير؟! أصبح تكرار ذلك مملًا! في الواقع انها التفاصيل الصغيرة التي تؤلم أكثر…

اليوم 14 آذار 2019، لا ساحة تحضن الجموع، لا رايات ترفرف في كل مكان حتى تخال أن ساحة الشهداء باتت بحرًا أحمر بلا حدود، لا حناجر تصرخ تريد إيصال صداها علّه يخرس نعيق أعداء الحرية، لا قبضات تعلو تريد شل آلة القتل العمياء، وحدها بقيت الزحمة في الطرقات المؤدية الى وسط المدينة بعد 14 عامًا… الزحمة اليوم كئيبة لا تضجّ بالحالمين، ولا بابتسامات يتبادلها القادمون الى الساحة بشغف، ولا بالأطفال الذي يشعرون أكثر مما يعلمون بماذا هم مشاركون…

اليوم 14 آذار 2019، لا مهرجان خطابياً في قاعة مقفلة حتى، مجرد تدوينات وتغريدات تستعيد مفردات الذكرى وقسم الشهيد جبران تويني وإصرار على متابعة المسيرة حتى الانتصار… مجرد تكرار وتكرار وتكرار في بلد بات يعشق دوامات الفراغ والانتظار.

تفرّق “العشاق”، بات معتلو المنابر كل منهم في وادٍ، ينسج علاقاته على نول المصالح، يتحرك بهامش يكاد طيح معه بكل المبادئ…

اليوم 14 آذار 2019، ربما يجب ان نقتنع ان ما جرى قبل 14 عامًا انتهى. لمَ نتمسك بالحلم؟ يقال اننا شعب عاطفي. ألهذه الدرجة ننساق وراء عواطفنا؟ هل نعلم اكثر ممن ينظّر ان الحركة الآذارية حققت الكثير من أهدافها؟ فقد خرجت قوات النظام السوري من بلدنا فعليًا! ماذا تريدون أكثر؟ دولة. مؤسسات. سيادة دولة. كرامة وطنية. حصرية سلاح. استشفاء. طرقات. ماء. كهرباء. تعليم. حرية معتقد. أحوال شخصية مدنية… ألم ينزل مئات الآلاف لتحقيق كل ذلك؟ في المقابل، أليس من المثير للسخرية الجدال حاليًا حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى طرح الأسئلة حول واقع البلد السيادي؟ ربما حان الوقت لنعترف ان الحلم قد سرِقَ! خنقه كابوس الواقع رغم كل المحاولات الفاشلة للتجميل وللترميم، خنقته رياح المصالح وعواصف التنازلات واستشراس أزلام مشاريع غريبة عنا، فيما بتنا أسرى احلامنا الوردية الكبيرة وواقعنا المكفهرّ الصغير.