IMLebanon

لولا القطاع المصرفي… (بقلم طوني أبي نجم)

ثمة هستيريا جماعية لا حدود لها نعيشها في لبنان أولاً نتيجة الأزمات المالية والاقتصادية التي نتخبّط بها، وثانياً نتيجة فشل أكثرية الطبقة السياسية في إيجاد الحلول الناجعة لهذه المشاكل، لا بل نتيجة تسبّب أكثرية هذه الطبقة في الأزمات التي وصلنا إليها نتيجة فسادها وزبائنيتها وسوء إدارتها للدولة ومواردها.

لكن ما يشكل صدمة فعلية هو إصرار جهات معينة على الترويج وكأن مصائب البلد سببها القطاع المصرفي في لبنان، أو كأن كل “الموبقات” مالياً واقتصادياً في البلد يرتكبها القطاع المصرفي، ويتناسى من وراء الحملات على هذا القطاع الكوارث الفعلية والمسببة لما آلت إليه الأمور!

هكذا يتناسون صفقات السياسيين ومنطق المحاصصة وتقاسم المغانم والعمولات على حساب الخزينة. ويتناسون مسارب التهريب والتهرّب الميليشوية، ومزارب الهدر والفساد السياسية. ويتناسون التعديات على الأملاك البحرية والبرية التي باتت مشاعاً للمافيات بحمايات سياسية وحزبية وطائفية. ويتناسون التوظيفات وحشو الإدارة بالأزلام ما أوصل إلى موازنة تتألف في 40% منها رواتب وأجور وتعويضات. ويتناسون إعطاء سلسلة رتب ورواتب لمن يستحق ولمن لا يستحق لأهداف رشوة انتخابية رخيصة عشية الانتخابات النيابية الماضية ليسارعوا إلى محاولة الانقلاب عليها بعد أقل من سنة!

لا يصبح بإمكان كل هؤلاء الفاسدين والمفسدين والمتآمرين على الاقتصاد الوطني والمالية العامة، بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، غير التصويب على القطاع المصرفي الذي بشهادة كل الدول والمؤسسات العالمية حمى الاقتصاد اللبناني واموال المودعين والليرة اللبنانية حتى اليوم!

صحيح أن ثمة الكثير ليُقال أو يُناقش في السياسة المالية للدولة والتي وضعتها وتضعها الحكومات المتعاقبة منذ التسعينيات وحتى اليوم، وهي وحدها المسؤولة عنها بالتكاتف والتضامن مع مجلس النواب، وصحيح أنه مطلوب من القطاع المصرفي المساهمة في التضحيات المطلوبة من كل القطاعات، لكن هذه الأمور تُناقش بشكل علمي ومسؤول، وليس بالتراشق لتغطية جرائم الفساد السياسي وعجز المسؤولين عن أن يكونوا على قدر المسؤولية.

فيا ايها السادة، لولا القطاع المصرفي لانهار الاقتصاد اللبناني منذ أعوام ولما صمد حتى اليوم. القطاع المصرفي حمى ودائع اللبنانيين، وخصوصاً صغار المودعين لأن كبارهم يخبّئون أموالهم في المصارف السويسرية وليس في لبنان!

ينسى البعض أن ازدهار لبنان في منتصف القرن الماضي يعود بشكل أساسي الى دور القطاع المصرفي فيه الذي شكل عصب استقطاب الرساميل والودائع العربية في عزّ الفورة النفطية!

والقطاع المصرفي في الحرب وبعدها حمى أولاً صغار المودعين، وكل من يعيش آخر أيامه من فائدة أمواله اليسيرة التي جناها سواء من عرقه في بعض الأعمال الصغيرة، وسواء بوضع جنى عمره وتعويض نهاية خدمته وينتظر نهاية كل شهر الفائدة التي تأتيه ليقتات منها في دولة لا تؤّمن الشيخوخة ولا ضمان الشيخوخة!

نعم، لولا القطاع المصرفي في لبنان لكانت الليرة انهارت منذ زمن بسبب عجز السياسيين وتخبطهم في أزمات لا تنتهي بسبب صراعاتهم وتبعيتهم للخارج وتعطيلهم للنظام البرلماني الديمقراطي، ساعة بتعطيل الانتخابات الرئاسية وساعات أخرى بتعطيل الانتخابات النيابية أو تأخير تشكيل الحكومات، ولكان اللبنانيون عندها هاجروا في أول قارب أو طائرة أو أقدموا على الانتحار كما حصل في دول كثيرة!

لولا القطاع المصرفي!

لولا القطاع المصرفي الرصين لكان انهار لبنان في زمن انهيار الاقتصاد العالمي تحت وطأزة الأزمة التاريخية في العامين 2008 و2009 يوم انهارت البورصات العالمية والمصارف والشركات الكبرى من نيويورك إلى طوكيو مروراً بدبي وغيرها!

لولا القطاع المصرفي لكانت الدولة في لبنان عجزت عن القيام بأبسط واجباتها وعجزت عن دفع الرواتب والأجور منذ سنين طويلة بسبب فساد المسؤولين وسوء إدارتهم وجشعهم وفسادهم، ولما كانت صمدت حتى اليوم!

قليل من العقلانية أيها السادة، وقليل من المسؤولية في مقاربة ملف القطاع المصرفي، لأن محاولات التذاكي عبر الحملات الغوغائية وغير المسؤولية التي نتابعها تهدد بهدم الهيكل على رؤوس الجميع، وتحديداً على رؤوس الطبقة الفقيرة وما تبقى من الطبقة المتوسطة، إضافة إلى ضرب آخر حصون الاقتصاد اللبناني والركيزة الأساسية لما بقي من اقتصاد حرّ في وطن فقد حريته وبات أسير الإملاءات الخارجية نتيجة كمّ غير مسبوق من الفساد ونتيجة حكم الدولة بطريقة ميليشيوية!