IMLebanon

الدولة تزرع والجمعيات تحصد

كتب زينب عثمان في صحيفة “الأخبار”:

إحصاءات كثيرة أُعلن عنها خلال ورشة العمل التي نظّمتها جمعية الثروة الحرجية والتنمية (AFDC) في فندق «راديسون بلو»، نهاية الأسبوع الماضي، استكمالاً لعمل «لجنة التنسيق الوطنية» الموكلة تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. في محاولة لتقييم الموارد الحرجية في لبنان، أفصح ممثلو وزارتي الزراعة والبيئة والجمعيات المدنية المشاركة في الورشة عما في حوزتهم من أرقام ونتائج تتعلق بالتغييرات التي طاولت الأراضي الزراعية والحرجية خلال فترتين زمنيتين، تمتدان بين الأعوام 2000 و2010 وبين 2010 و2018. لكن الإحصاءات التي أُعلن عن أغلبها، بإنكليزية مفتعلة، لم تقدم جديداً حول واقع المساحات الحرجية والغابات، سوى أن «الغابات تغطي 13% من مساحة الأراضي اللبنانية»، وأننا خسرنا نحو 1600 هكتار من الأراضية الزراعية بين 2010 و2018. وهي إحصاءات كانت «الأخبار» قد لجأت إلى وزارة الزراعة لتمّدها بها، ليتبين أنها غير متوفرة نظراً لقصور العمل على تحديث بياناتها، في انتظار أن تنتهي الجمعيات المدنية المساهِمة من تنفيذ مشاريعها وإعداد تقاريرها. وحسب رئيسة دائرة التحريج والاستثمار في الوزارة، سيلفا قطيش، فإن الأرقام الرسمية التي يمكن اعتمادها ستنشر في أيلول، أي لدى إنجاز التقرير الوطني الذي يمثّل عصارة جهود مختلف الجهات المعنية بهذا الموضوع من إدارات ومؤسسات عامة وجامعات وجمعيات مدنية.

في أية حال، بيّنت النقاشات العشوائية، التي« تراشقها» الحاضرون أثناء تقديم كل جهة عرضها الإيضاحي البصري، أن 40% من أراضي لبنان «غير ممسوحة»، وأن أغلب الخرائط الرسمية التي تفصل الأراضي المملوكة للدولة عن الخاصة ليست في حوزة جميع أطراف النقاش، بمن فيهم وزارة الزراعة، التي طلب ممثلون عنها من الجمعيات مدّها بنسخٍ عن تلك الخرائط. وهو موقف زاد من حالة الالتباس المحيطة بعمل الـ«أن جي أوز» الذي بدا رسمياً أكثر من عمل وزارة الزراعة نفسها، ووضع مصداقية الأرقام والاحصاءات الصادرة عنها في خانة المساءلة وعدم الدقة في حال ثبُت فعلياً أن «أراضي لبنان غير ممسوحة بالكامل»، كما أكد المشاركون. نتحدث هنا عن مسوحات كان يفترض أن تجريها الكوادر البشرية في وزارتي الزراعة والبيئة منذ سنوات، أو على الأقل عندما استُحدث «البرنامج الوطني للتحريج» عام 2012، في مسعى لإعادة الغطاء الحرجي إلى نسبة 20% في مدة زمنية أقصاها عشرون عاماً، ولكنها لسببٍ ما لم تجرَ بالكامل.

عمل الـ«أن جي أوز» يبدو رسمياً أكثر من عمل وزارة الزراعة نفسها!

وخلال النقاش الذي بدا استعراضاً للقدرات، ثمة من قال إن «الجيش اللبناني مسؤول عن استكمال أعمال المسوحات»، وثمة من تحفّظ عن المصادر التي استحصل منها على الخرائط، فيما طالبت رئيسة دائرة الأنظمة الإيكولوجية في وزارة البيئة، لارا سماحة، بأن «توزّع الخرائط والمعلومات على الجميع»، من دون أن تتضح أسباب وكيفية حيازة الجمعيات على الخرائط بدلاً من وزارة الزراعة، في حين أن الحالة الطبيعية تفترض أن تكون جميع المعلومات المتعلقة بالتحريج محصورة بالوزارة. غربلة المعلومات طاولت كذلك التغيرات الطارئة على نسبة التحريج السنوي التي لم تتضح، في حين أشارت أرقام صادرة عن جامعة «البلمند» أن 17 كلم مربعا من الأراضي الحرجية تحولت إلى زراعية بين عامي 2000 و 2010. ومن بين الأراضي الممسوحة، تفيد المعطيات بأن «60 إلى 70 في المئة منها فقط» تحددت ملكيتها، في نتيجة رفض مدير مشروع التحريج وإدارة الغابات في منظمة «فاو»، فادي أسمر، اعتمادها رسمياً قبل احتساب الجمعيات المساحات المفقودة أو المُكتسبة من الأراضي المصنّفة حرجية، على اعتبار أن «استخدامات الأراضي الخاصة قابلة للتغير سنوياً».
الأخذ والرد بشأن هذه المسألة وغيرها لم يستغرق طويلاً، لكنه كشف في المقابل عن عدم تجانس بين عمل الجمعيات في ما بينها من جهة، وبين عملها وعمل الوزارات المعنية من ناحية أخرى، خصوصاً بعدما تبيّن أن آليات جمع البيانات وأنظمة تحليلها مختلفة. وهو ما أوحى بأن تقرير اللجنة النهائي قد ينتج منه إحصاءات وأرقام غير دقيقة، ستقدّم في نهاية المطاف إلى الأمم المتحدة عبر وزارة الزراعة، التي «لا يُسمح لها بفعل الكثير»، حسب ما أكد أحد العاملين فيها. والأخير تحدث لـ«الأخبار» عن قصور في التعاون بين الوزارة وبعض الجمعيات «التي لا تنسق معنا ولا تمدنا بالمعلومات التي بحوزتها في محاولة منها لخطف الإنجازات»، وتصوير الوزارة على أنها «عاجزة» عن إدارة مهامها. وهي صورة تسهم وزارة المالية في تعزيزها بعدما رفضت مراراً «تزويدنا بالمال الكافي لإنجاز مهامنا كاملةً».

مشروع الـ«40» مليون شجرة
في إطار «البرنامج الوطني للتحريج»، أطلقت وزارة الزراعة في عام 2014 مشروع الـ40 مليون شجرة الذي يهدف إلى إعادة الغطاء الحرجي إلى نسبة 20% من خلال زراعة 40 مليون شجرة حرجية على مساحة 70 ألف هكتار من الأراضي البور حتى عام 2030. إلا أن المعطيات تفيد بأن تمويل المشروع لم يتم تأمينه حتى اليوم بشكل كامل، وأن عدد الأشجار التي تم زرعها حتى الآن لا تتخطى المليون شجرة!