IMLebanon

دولة بشير (بقلم بسام أبو زيد)

٢٣ آب ١٩٨٢… الشيخ بشير الجميل رئيساً للجمهورية!

لم أكن في ذلك الوقت أعيش في المنطقة الشرقية لبيروت، بل كنت في قريتي الجنوبية حيث كنا نتابع أخبار البلاد عبر الراديو، وكانت تصل إلى مسامعنا كلمات الشيخ بشير كما كان بعض أهالي بلدتي الذين يتوجهون إلى بيروت يحملون معهم شرائط مسجلة أو ما يعرف بالكاسيت تضم خطابات الشيخ بشير وأناشيد المقاومة اللبنانية لنستمع إليها رغم أننا كنا تحت سلطة منظمة التحرير الفلسطينية قبل الاجتياح الإسرائيلي.

إنتخب الشيخ بشير رئيسا فغمر الفرح قريتنا وكان المسلحون الفلسطينيون قد أصبحوا خارج الجنوب، وأخذنا نجوب شوارع القرية محتفلين بوصول القائد إلى سدة الرئاسة.

طبعا كان غيرنا من اللبنانيين وغير اللبنانيين حزينا وحاقدا تجاه هكذا انتصار في رئاسة الجمهورية لألف سبب وسبب، ولم يتركوا نعتا إلا وألصقوه بالرئيس بشير واستمروا بذلك حتى بعد استشهاده والى اليوم، وسيستمرون لو مهما شرحنا وقلنا وتحدثنا. ولكن كل ذلك لن يغير في الحقيقة وهي أن بشير الجميل كان وما زال رئيسا استثنائيا للبنان ولذلك اغتالوه.

في حياته عرف الرئيس بشير الجميل معنى الشهادة في سبيل الوطن والقضية. فقد ابنته مايا وفقد آلاف الرفاق على مختلف الجبهات وحتى في معارك لتوحيد البندقية كانت ضرورية في خدمة القضية لا في خدمة شخصه. عرف أن التضحية لا حدود لها وأن لا فرق بينه كقائد وبين أي مقاوم آخر في أي محور أو متراس. لم يتردد، لم يسترح، وواصل النضال حتى اللحظة التي إستشهد فيها.

عندما إنتخب بشير الجميل رئيسا كان مصمما أن ينتقل من المليشيا إلى الدولة القوية، وأن تكون “القوات اللبنانية” التي أسسها في صلب هذه الدولة مع جميع اللبنانيين الراغبين بالدولة القوية، وهكذا أعلن وعمل وحقق في الأيام العشرين التي كان فيها رئيساً منتخباً.

لقد أراد بشير الجميل لهذه الدولة أن تكون صمام الأمان للوطن فلا تتكرر المآسي والأحداث ولا يشعر اللبناني أن بلده مباح ومستباح من الداخل والخارج، لا من جار وعدو قريب ولا من صديق وعدو بعيد، فيضطر أبناؤه إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم ووجودهم.

هذا بعض من حلم بشير الجميل وبعض من حلم اللبنانيين في تلك المرحلة. إنه حلم مستمر حتى اليوم، الحلم بالدولة القوية القادرة التي تنقذنا من دولة المليشيات والمزرعة التي نعيشها حاليا، والتي يبدو أنهم يريدوننا أن نعتاد عليها وان نبشر بها تحت عناوين متعددة لا تمت لا إلى الوطنية والدستور والقانون بأي صلة.

ما هكذا كان يريد الرئيس الشهيد الدولة اللبنانية. كان يريدها دولة قوية يسيرها حكم حكيم ورشيد، ولا تقودها الصفقات والمحاصصات والوسطات إلى حيث لا ندري ولا يدرون.