IMLebanon

تفسير المادة 95 تحت المجهر الدستوري والسياسي

بعد وقت قصير من توقيعه قانون موازنة العام 2019 وجّه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رسالة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري وأعضاء المجلس طلب فيها تفسير المادة ٩٥ من الدستور، آملاً “في ان يساهم تفسير المجلس في الاضاءة الوافية له ولاي سلطة دستورية معنية بالمسائل التي وردت في الرسالة”. تلقى بري الرسالة، فأحالها الى جلسة للهيئة العامة حدد موعدها في 17 تشرين الاول المقبل، أي اول ثلاثاء بعد 15 تشرين الاول موعد بدء الدورة العادية الثانية لمجلس النواب. ما هي الخطوات الدستورية الواجب اتباعها في هذه الحالة خصوصا ان ثمة من يرى ضرورة لبت الرسالة خلال ايام لا اشهر؟

يعتبر وزير وقاض سابق “ان هناك سجالاً قانونياً حول هذا الموضوع، ولا بد من ان يتم بحث الموضوع قبل حلول الموعد الذي حدده الرئيس بري لتلاوة الرسالة امام النواب ومعالجة الامر بمخرج دستوري قانوني بعد ان تبين ان هناك من قد يستغل الخطوة لطرح موضوع ليس اوانه الآن وهو تعديل الدستور ومعادلة الطائف، خصوصاً ان المعطيات التي كانت قائمة عند وضع وثيقة الوفاق الوطني في الطائف تبدلت ولا بد من اخذ المعطيات الجديدة بعين الاعتبار.

في المقابل، ترفض قوى سيادية هذا الطرح وتتمسك بصيغة الطائف والمعادلة التي قام عليها وترى ان موازين القوى التي تغيّرت في المنطقة لا تسمح بخطوة من هذا النوع، وتالياً لا يجوز استباق الخطوة التغييرية، علماً أن بعض القوى نجحت في تطبيق المثالثة عملياً من دون اي اعلان او تكريسها في الدستور. وهناك فئة تسعى الى الغاء المادة 95 من الدستور طالما ان البعض لا يحترمها ولا تطبق، في حين ان لبنان بلد توافقي ومعالجة الامور تتم بالحوار وليس بالفرض والقوة.

جابر: عضو كتلة “التنمية والتحرير” النائب ياسين جابر قال لـ”المركزية”: “لا يمكن للرئيس بري ان يتلوها إلا في دورة عادية وليس في دورة استثنائية، لهذا وضعها في اليوم الاول بعد بدء الدورة العادية التي تبدأ في 15 تشرين الاول اي اول ثلاثاء بعد منتصف الشهر، وحدد جلسة الخميس اي بعد يومين لتلاوتها في المجلس النيابي”.

وهل ممكن ان تؤدي الى فتح باب الحوار نحو الدولة المدنية التي يطالب بها الرئيس بري؟ أجاب: “كي نبدأ بتطبيق الطائف علينا ان نشكل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، لا ان نبدأ بتكريس الطائفية التي يتم فرضها، والمخالفة للدستور، في موضوع الوظائف الدنيا (اي الثالثة والرابعة والخامسة) لأن الطائف ينص فقط على المناصفة في الفئة الاولى، وهنا يطالبون بفرضها على كل الفئات. هذا تعجيز، لأن ليس هناك من يقدم على هذه الوظائف”. وأضاف: “على كل حال، عندما نصل اليها نصلي عليها”، لافتاً إلى “أن اتخاذ اي قرار بهذا الخصوص يحتاج الى موافقة ثلثي المجلس لأنها تعتبر تعديلاً دستورياً”.

مرقص: رئيس منظمة “جوستيسيا” المحامي الدكتور بول مرقص قال لـ”المركزية” “إن النظام الداخلي لمجلس النواب نص في المادة 145 المضافة في الجلسة العامة للمجلس النيابي المنعقدة بتاريخ 10 و11 شباط 1999 على أن في حال كانت الرسالة موجهة بواسطة رئيس المجلس، “فعليه أن يدعو المجلس للإنعقاد خلال ثلاثة أيام لمناقشة مضمون  الرسالة، واتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب”.

تنص المادة ٩٥ من الدستور، بحسب مرقص ” على المناصفة فقط في الفئات الاولى، وتستثنى منها الفئات الثانية وما دون، والتي توزّع وفق الكفاءة والمباريات، شرط ألا يتناقض ذلك مع مقتضيات الوفاق الوطني، أي احترام التوازن. كما على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية تمهيداً للوصول الى الدولة المدنية”. واعتبر مرقص “أن الرسالة لها قيمة مبدئية دستورية أكثر منها إجرائية”.

في هذه الحالة، لماذا رحّل الرئيس برّي تفسير الرسالة الى تشرين الاول؟ وهل سيفسر المجلس المادة ام انه سيطوي الموضوع ويستعيد عون الرسالة لأنه هو من يفسر الدستور انطلاقا من دوره السهر على حسن تطبيق الدستور؟

من جهة أخرى لفت مرقص إلى “ان توجيه رسالة الى مجلس النواب حق دستوري لرئيس الجمهورية، وهو سبق ان استعمل صلاحياته الدستورية في تجميد عمل المجلس النيابي لمدة شهر كامل، وكانت من السوابق في تاريخ رؤساء الجمهورية، الذين دأبوا على توجيه رسائل مماثلة، مثل:

الرسالة التي وجهها الرئيس الراحل الياس الهراوي في العام 1998 وطلب فيها وضع آلية تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، والتي تنص عليها المادة 95 تمهيداً لدراسة مقترحات وسبل إلغاء الطائفية.

رسالة الرئيس السابق أميل لحود عام 2000 التي حث فيها المجلس على إجراء انتخابات نيابية في مواعيدها الدستورية في ظل قانون يؤمن أفضل تعبير عن إرادة الشعب، في محاولة لحسم الجدل الدائر في شأن قانون الانتخاب.

الرئيس عون سبق ان وجه رسالة في نيسان من العام 2018 يطالب فيها المجلس بإعادة النظر في نص المادة 49 من قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2018 والتي تقضي بمنح إقامة لكل عربي أو أجنبي يشتري وحدة سكنية في لبنان بالشروط التي حددتها المادة المذكورة.

هذا لبنانياً، أما فرنسياً، يضيف مرقص، فتجيز المادة 18 من الدستور الفرنسي الصادر في 4 تشرين الاول 1958، لرئيس الجمهورية مخاطبة البرلمان برسائل تتلى ولا تكون محلاً لأية مناقشة واذا حدث ذلك في غير وقت الانعقاد يجتمع البرلمان خصيصاً لهذا الغرض. لكن لم تظهر من خلال الأبحاث اي سابقة لرئيس فرنسي بتوجيه رسالة الى البرلمان.