IMLebanon

أبعد من الإسمنت: بحثاً عن وسيلة لإنقاذ شكا والجوار

منطقة شكا وجوارها مثال فادح عما تُخلّفه السياسات العامة وسوء التخطيط في لبنان بعدما توسّعت أعمال معامل الإسمنت بشكل فوضوي وغير منظّم على ساحل شكا والهري. أخيراً، برزت جهود قادها المجتمع الأهلي في الكورة للتصدّي للتحولات التي أحدثتها تلك الفوضى، من دون أن يتمكّن الناشطون من تقديم بديل. مُسابقة «أبعد من الإسمنت»، تأتي في سياق حصد حلول بديلة ودامجة، لا لمشكلة البيئة فقط، بل على صعيد الإقتصاد المحلي والعمراني في المنطقة

قبل 88 عاماً، «نبت» على ساحل بلدتي شكا والهري أوّل معمل لصناعة الإسمنت في لبنان على يد «شركة الترابة اللبنانية». الشركة نفسها سـ«تزرع» بعد عشرين عاماً، على الساحل نفسه، معملاً جديداً يحمل توقيع «شركة الترابة الوطنية». صحيح أن ولادة المعملين سبقت نشأة وزارة التصميم وأنظمة استخدام الأراضي وقوانين التنظيم المدني، ما سمح لأصحابهما بالتوسّع من دون أي رادع، متجاهلين المعايير البيئية والصحية. إلّا أن الوقائع تُفيد بأنّ التدمير المتعمّد للساحل على يد أصحاب المعامل التي «تكاثرت» بشكل كبير، واستدرجت مصالح أخرى كالمقالع والكسارات وغيرها، بقي كما هو. إذ لم تُفلح الوزارات والمراسيم والأنظمة، في ما بعد، في «فرملة» ذلك النهج التدميري. بل على العكس، تُشير المعطيات إلى تورّط السياسات الوطنية في تأزيمه!

في دراسته لملكية العقارات في ساحل الكورة ومراسيم التنظيم المدني في المنطقة، يخلص «استديو أشغال» إلى أن حالة اللاتنظيم على الصعيد المحلي «كانت مُتعمّدة، واستخدمت لمصلحة الشركات على حساب كل شيء آخر»، مُشيراً إلى أن مرسومي تنظيم أجزاء من الكورة وساحلها اللذين صدرا في بداية السبعينيات (تنظيم استخدامات الأراضي في كفرحزير عام 1970 والتصميم التوجيهي للشواطئ الشمالية عام 1972) لم يكونا كافيين لتنظيم عمليات توسّع الشركات وتغلغل غبارها في المنطقة. بل إن السياسات الحكومية ساهمت، بشكل كبير، في توسّع تلك الشركات، كما في منع الحكومة اللبنانية، منذ عام 1993، استيراد الإسمنت من الأسواق الخارجية.

إزاء هذا الواقع، كان من الطبيعي أن تشهد المنطقة تحولات في بنيتها الإجتماعية والإقتصادية والبيئية، «إذ لم تتمكن الصناعات من أن تكون بديلًا مستدامًا للزراعة والنشاط البحري الذي كان سائدا، وبالتالي أصبحت الخيارات المُتاحة للمنطقة وسكانها محدودة جدًا»، على حدّ تعبير «استديو أشغال» الذي أطلق أخيراً، بالتعاون مع نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس وبرعاية «اتحاد بلديات الكورة»، مسابقة «أبعد من الإسمنت: نحو رؤية بديلة لشكا وبلديات الطوق»، كمحاولة لـحصد حلول بديلة ودامجة لمشكلة البيئة والإقتصاد المحلي والعمران في شكّا وبلدات الطوق (تطلق هذه التسمية على البلدات التي تحيط بشكا والكورة والمحاصرة بشركات ومعامل الاسمنت والمقالع، وهو مصطلح يُستخدم عادةً لفصل مكانٍ ما عن محيطه ومحاصرته من كافة الجهات من قِبل جهةٍ معادية).

المهندسة المعمارية والباحثة المدينية في «أشغال» تالا علاء الدين قالت لـ «الأخبار» إنّ أهالي المنطقة يسعون حاليا إلى التصدّي للتحولات التي أصابت منطقتهم ورفع الأضرار التي تسببت بها، «لكنّهم لا يملكون طروحات بديلة. من هنا تأتي المُسابقة لتؤمن هذه الطروحات»، وهي تهدف إلى وضع حلول لتنمية مُستدامة على صعيد الاقتصاد المحلي للمنطقة بكاملها.

بدوره، نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت، أشار إلى أن الإقتصاد اللبناني لطالما ارتبط ارتباطاً وثيقاً بقطاع البناء والريع العقاري، وهذا القطاع «يتطلب استخراج 3 ملايين متر مكعّب من البحص والرمل سنوياً كحدّ أدنى (…) مع كل ما يعني ذلك من تشويه للبيئة الطبيعية». وإذ أكّد أن قطاع البناء «يشكّل نشاطاً أساسياً بالنسبة للجسم الهندسي، إلا أن العمل على إيجاد السبل التي تسمح بمعالجة النتائج السلبية لتطور هذا القطاع من صلب مسؤوليتنا المهنية كمهندسين أولاً وكمواطنين». وأشار إلى أن تمركز معامل الإسمنت في ساحل شكا أدّى إلى إحداث تحول جذري في بنية المنطقة المحيطة عبر انتشار المعامل والشركات والمقالع بشكل غير منتظم، «وقد طال هذا التحوّل النشاطات الاقتصادية في المنطقة فتآكلت الأراضي الزراعية وسهول الزيتون ما كانت له آثار سلبية خطيرة على الاقتصاد المحلّي وعلى الواقع الاجتماعي». ورغم أن الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية عام 2009 قد أولت، بحسب تابت، إهتماماً خاصاً للمنطقة، «إلا أن المخططات التوجيهية وقوانين البناء لم ترافق التوجهات التي رسمتها الخطّة. فبقيت المنطقة خاضعة لتصنيفات لا تتجانس مع هذه التوجيهات مما سمح للمنطقة المصنّفة صناعية بالتوسع عشوائياً من دون احترام ضرورة وجود مناطق عازلة تحمي المناطق السكنيّة والأراضي الزراعية والمناطق الخضراء».

المُسابقة، وفق مطلقيها، تُمثّل دعوة مفتوحة للمخططين والمُصممين وعلماء البيئة والزراعيين والإقتصاديين لصياغة إطار للتدخل من شأنه الاستجابة لمفهوم التنمية المستدامة وحاجات الناس الآنيّة وضرورات الانماء المستدام من فرص عمل واقتصاد محلّي من دون المساومة على الصحة والبيئة والموارد الاقتصادية المحلية. وهي تطرح العمل على ثلاثة مواقع مهمة إنمائياً للمنطقة:

– سهل الكورة الأوسط: الذي تعرّض للحفر من قبل شركات الإسمنت بين الستينيات والثمانينيات بغرض استخراج مادة الأرجيل (الطين)، ما ألحق أضرارًا جسيمةً بالتربة وبأشجار الزيتون.

– شاطئ شكا والهري الذي تعرّض إلى آثارٍ سلبيةٍ نتيجة التلوث وانتشار الصناعات والتعدّيات على الأملاك العامة البحرية.

– المقلع الممتد على نطاق بلدات شكا وبدبهون وكفرحزير مع تجاهلٍ تامٍ لاعتبارات البيئة والصحة والمناظر الطبيعية.

والمطلوب من المُشاركين والمُشاركات في المُسابقة العمل على ثلاثة مستويات: إرساء رؤيةٍ استراتيجيةٍ للمنطقة ككلٍ تحكمها مبادئ التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية بدلًا من المصالح الاقتصادية المحدودة؛ تطوير تصميم أو مشروع أو تصوّر لأحد المواقع للحدّ من الأضرار التي تعرّض لها وتعزيز إمكانياته؛ ووضع خطة إعلانية أو تصميم حملة ترويجية للمشروع المقترح لتغدو بحدّ ذاتها مادةً بصريّةً مطلبيةً ذات قدرةٍ تأثيريةٍ على المدى القصير. القيمون على المُسابقة يعوّلون على رعاية البلديات لها وتبنّيها. ولكن، هل يكفي توافر الحلول لإصلاح واقع مأزوم في ظل رعاية كبرى يؤمنها النافذون لهذا القطاع؟