IMLebanon

الثورة “بتلبقلِك”

كتبت فانيسا الهبر في صحيفة “الجمهورية”:

الثورة.. الانتفاضة.. الحرية هل هي كلمات مؤنثة بالصدفة أم العكس؟ قد لا نعرف السبب الحقيقيّ خلف تأنيث هذه الأسماء التي يتربّع خلفها تاريخ من النضالات والانقلابات والتغيّرات، لكن اللبنانيات أثبتن في الأيام الماضية أنهنّ أصحاب الثورة والثورة «بتلبقلن».

مُحيت الصورة النمطية التي عرفها العالم عن المرأة العربية لاسيّما اللبنانية، عندما نزلت إلى الشارع بكل إصرار وعزم لتحدّي الظالمين، من ذكور السياسة وذكور المجتمع، لم تكتفِ بالمطالبة بحقوقها من خلال إطلاق الشعارات بل كانت الثورة تغلي في عروقها. لم تتحمّل البقاء لوقت أكثر فانفجرت في وجه الظلم والفساد الذي عاش لبنان وكل الشعب اللبناني تحت وطأته لسنوات عديدة، لدرجة أنّنا نسينا ما هي حقوقنا الطبيعية.

بين عامي 1788 و1789، كانت السيدات أوّل مَن ثار في وجه قصر فيرساي الملكي بعد ارتفاع سعر الخبز وعدم قدرتهنّ على شراء حاجيات المنزل وتأمين الطعام لعائلاتهنّ، فكانت الثورة الفرنسية.

وفي روسيا، تشكّلت مجموعة «الاتحاد الروسي من أجل المساواة للمرأة» بعد أن كان نظامهنّ التعليمي وحياتهن الاقتصادية غير عادلين. لذا أثارت النساء الروسيات أعمال الشغب وانطلقت التظاهرات عام 1917، ليتمكّنّ لاحقاً من تحصيل حقوقهنّ البسيطة.

واليوم حان الوقت ليكتب اللبنانيون وعلى رأسهم المرأة اللبنانية الثورة التي زعزعت السياسيين، وحتى الساعة لا ندرك ما ستكون نتائجها. تاريخ الثورات لا يخلو من العنصر النسائي، لا بل غالباً ما تكون لهنّ حصّة مهمّة في المواجهة.

أمّا المواجهة فليست بالضروري أن تكون بالسلاح أو بالقوة، قد تكون بأبسط الأمور. أحياناً الأمور البسيطة هي التي يكون لها الوقع الأكبر على الأرض. قد تكون ركلة.

نعم، ركلة واحدة من امرأة لبنانية قد تكون بسيطة في الشكل أو حتى من حيث الضرر الذي تحدثه، لكن الرسالة خلفها تكون أقوى بكثير من مليون سلاح. كانت الركلة التي وجّهتها إحدى المواطنات المتظاهرات في الانتفاضة، التي اندلعت في 17 تشرين الأول، مليئة بالقهر وجّهتها الى أحد مرافقي المسؤولين المسلّحين. ركلة مدويّة ستدخل كُتب التاريخ حتماً، وركلة سنخبر أحفادنا عنها، لأنها أصبحت رمزاً للثورة تحت شعار «عليهم».

وانطلق شعار «عليهم» مع الانتفاضة اللبنانية ضدّ فساد الزعماء، وجعل شعباً يخرج من أقفاصه المذهبية والطائفية ليكون يداً واحدة في وجه الظلم. ركلة واحدة حملت كل وجع اللبنانيين لتقول لهؤلاء الزعماء «طفح الكيل!» أليست هذه أقوى ركلة سمعت عنها؟

شهدت مسارح الثورة في مختلف المناطق اللبنانية، نساء سنتذكّرهنّ دوماً مع هذه المظاهرات التي استقطبت عدداً هائلاً من اللبنانيين كما حثّت المغتربين أيضاً في لندن، كندا، نيويورك وبروكسيل على التضامن مع أبناء أرضهم.. أوليس هؤلاء الزعماء كانوا السبب في تركهم البلاد بحثاً عن مستقبل لم يجدوه في لبنان؟

مثلاً نتذكّر الحجة التي عبّرت عن وجعها أمام أحد العسكريين في وسط بيروت، محاولة إقناعه بالانقلاب ضدّ أولئك الذين يستعبدون الناس وحتى البدلة العسكرية لحمايتهم. فقالت بحرقة قلب: «جوّعوكم، مال ما عم يعطوكم، على شو ساكتين ما عم بفهم!» وأضافت: «إنتو لازم تحكموا هالبلد.. نحنا وطن وأرض، إذا ما عندك أرض ما عندك وطن». فإذا بالعنصر الأمني يقبّل رأسها.

ألن نتذكّر أيضاً الشابة «غيدا» التي أخذت شاشة التلفزيون منبراً لها لتعبّر عن وجع فئة الشباب اللبناني وتظهر دامعة العينين ومحروقة القلب على الصورة التي يحاولون تخريبها عن المتظاهرين، وعن سعيها لنيل شهادة قد تكلّفها ثروة، ولن تستفيد منها إلّا بعد الهجرة. فقالت: «نحنا مش زعران نحنا تلاميذ جامعات.. نحنا ما نزلنا لنخرّب نحنا بدنا نحمي البيئة.. بس الناس موجوعة وما فيكن تغيّروا هيدا الشي».

كذلك، قصدت الممثلات اللبنانيات الساحات للتضامن مع الشعب اللبناني في انتفاضة على الطبقة السياسية، بمن فيهنّ نادين نسيب نجيم، كارمن لبّس، كارين رزق الله، ماغي بو غصن ونادين الراسي، هل كان تضامناً من جانبهنّ فحسب أو أن موجة الفساد والقهر طالتهنّ أيضاً؟ وكي لا ننسى الإعلاميات اللواتي كنّ عنصراً مهماً في هذه الثورة نقلن واقعاً مريراً يعيشه اللبنانيون على شاشات التلفزيون، أو من خلف المايكروفون أو من خلف المكاتب، كرّسن حياتهنّ في الأيام الأخيرة في سبيل هذه الثورة ولكتابة التاريخ كلمة كلمة.

الثورة بحاجة لكنّ ولأمثالكنّ! كما أن نزولكنّ إلى الشارع ومواجهة كل فاسد في هذه الطبقة السياسية الميؤوس منها، رغم الظروف الصعبة، يُثبت أنكنّ نساء شُجاعات «بتلبقلكن الثورة». ولا بدّ من أنّ الكتّاب العرب أنّثوا «الثورة» احتراماً لكنّ ولتضحياتكنّ ليس في سبيل تحصيل حقوقكنّ فحسب بل لاسترجاع وطن.