IMLebanon

ما الذي يميّز الحياد؟

منذ أن طرح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مشروع حياد لبنان، بدأت تتظهر المواقف المؤيدة او المعارضة له. ولكن ما هو مفهوم الحياد وكيف تطبقه الدول التي اعتمدته؟

الحياد في القانون الدولي، هو التحلل من أي التزام له تبعات سياسية محورية على الدولة التي تعلن حيادها، وهي تعتبر خارجة عن أي اصطفاف وغير منحازة لأحد. وفكرة الحياد ليست جديدة في لبنان، فقد جاء في ميثاق العام 1943 أن لبنان جسر تواصل بين الشرق وبين الغرب، وتسوية العام 1958 تبنت شعار “لا غالب ولا مغلوب” في إشارة الى عدم انتصار محور على محور آخر.

الوزير السابق سجعان قزي أوضح لـ”المركزية” “أن الحياد يختلف عن التحييد والنأي بالنفس لأنه يتطلب نصاً في الدستور اللبناني ليكون جزءا لا يتجزأ من بنية النظام وملزما لجميع اللبنانيين بكل الظروف والاوقات في حين ان التحييد والنأي بالنفس مواقف ظرفية تفتقر الى الحالة الالزامية”، لافتاً إلى “أن الحياد هي دولة يتفق شعبها على وحدة الارض والشعب والنظام، وتتخذ القرار بعدم التدخل في شؤون الآخرين وعدم تدخل الآخرين في شؤونها، والحياد يتطلب اما قراراً داخلياً وطنياً واما قراراً دولياً اممياً لأن الحياد يتطلب موافقة الدول المحيطة بالدولة الحيادية”، مشدداً على “أن فرض هذا الحياد على الدول المحيطة بلبنان يستدعي اما وحدة شعبية حول المشروع واما فرضاً دولياً على الدول المحيطة به، اي أن يفرض المجتمع الدولي على سوريا واسرائيل منع التدخل في شؤون لبنان، وهذا ما حصل مع النمسا وسويسرا”.

أضاف: “هتلر احتل اوروبا كلها ولم تطأ قدماه سويسرا. والنمسا اصبحت حيادية عام 1955، بعد الحرب العالمية الثانية، ولو كانت حيادية قبل، لما كان دخلها هتلر وبدأ الحرب من السوديت التي هي جزء من النمسا”.

وأكد قزي “أن الحياد لا يعني ان يصبح لبنان جزيرة معزولة او يبني جدارا عازلا حول حدوده بل العكس، كلما كان لبنان حيادياً كلما كان منفتحاً وكلما كان ضمن محيطه”، مشيراً إلى أن لبنان يمكنه ان يدافع عن حقوق الانسان وعن حقوق الشعب الفلسطيني وان يكون مفيدا في مآسي الشعوب ووسيطا في الدول المختلفة ويلعب دورا في حل القضايا المعقدة بين الشرق والغرب او العكس. لبنان الحيادي لا يمنعه ان يحاول التوفيق بين ايران والسعودية او بين مصر وليبيا او بين سوريا ومصر او بين تركيا ومصر. فالحياد ليس انغلاقا او جبنا او تعطيلا للحركة الوطنية والانسانية للمجتمع الذي يكون محايدا.

وتابع: “الحياد اللبناني يجب ان يكون كالحياد النمساوي اكثر من السويسري لأن النمسا حيادها لم يمنعها من الانضمام الى الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي، في حين ان سويسرا ظلت خارج الامم المتحدة حتى عام 2002، حين حصل استفتاء وقرر الشعب السويسري ان يكون عضوا مراقبا في الامم المتحدة في حين ان النمسا اجرت تعديلا في قانون الامم المتحدة عام 1957 ودخلت الى الامم المتحدة”.

وقال قزي: “للتذكير، المستشار النمساوي برونو كرايسكي في الستينات والسبعينات كان وسيطا بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وهو من اقنع فرنسا والمانيا ان يتعاطوا مع عرفات، لم يكن ان النمسا حيادية يعني ان تنكفئ وتأكل وتشرب وتنام وانتهى الامر بل تناضل وتلعب دورا اساسيا. سويسرا اليوم مركز اساسي لكل منظمات الامم المتحدة”، لافتاً إلى “أن لبنان قبل الـ،1975 قبل المشاكل والحروب كان مركزاً لكل المنظمات الدولية لأنه كان يتبع سياسة عدم الانحياز. اليوم هذا الامر أصبح بحاجة الى تثبيت في الدستور من خلال مشروع الحياد”، معتبراً “أن لا يمكن لدولة حيادية الا ان تكون قوية، واقوى جيوش هي جيوش الدول المحايدة ولكن يجب ان نقبل بهذا المشروع قبل ان نضع العصي في دواليبه.

وهل يجب ان تكون الدولة قوية كي تطالب بالحياد أجاب: “اذا كانت الدولة الحيادية قوية، فهل الدولة المنحازة حالياً والمحسوبة على المحور السوري الايراني قوية؟ اين سلطات رئيس الجمهورية؟ اين دور الحكومة؟ اين دور المجلس النيابي؟ اين سلطة الجيش على الاراضي اللبنانية؟ اين المؤسسات والادارات؟ هذه اضعف دولة عرفها لبنان في تاريخه”، مشدداً على “أن عندما تبنى الدولة الحيادية تنتهي كل مظاهر الانقسام داخل الدولة وتصبح الدولة هي القوية بجيشها وشعبها وليس بأحزابها وميليشياتها وطوائفها ومذاهبها”، لافتاً إلى “ان الفريق القوي في الدولة بدل توظيف انتصاره في سياسة الغالب والمغلوب، يطرح على المغلوب فكرة الجلوس معاً واعتماد سياسية الحياد، كما حصل في سويسرا”.