IMLebanon

الروايات المتناقضة تتأرجح فوق مسرح أم الجرائم في مرفأ بيروت

 

… بعد أسبوعٍ جهنمي على الانفجار الهيروشيمي في ميناء بيروت وعلى حافة بحرها الأبيض، الثلثاء الماضي، ما زالت الروايات تتأرجح فوق مسرحِ «أمّ جرائم العصر وأبوها»، والتي غالباً ما يرتكبها «أشباح» سرعان ما يتوارون في دهاليز صراعات كبرى وصغرى من خلف ظهر الإنسانية التي انفجرت دماً ودموعاً وركاماً وأرواحاً وأحلاماً وأفئدةً في شوارع المدينة الثكلى.

سبعة أيام مرّت على «بيروتشيما»، كأنها كل كوابيس العالم استوطنت العاصمة الجميلة التي ملّت الحروب وأطنان التفجيرات والموت الجماعي في الشوارع وعلى الأرصفة وفي البيوت والحوانيت، وملّت القبور المفتوحة والنعوش المرفوعة والعيون المكسورة وحفلات الوداع في جرائم غالباً ما تُسجّل ضد مجهول.

تُدْرِكُ بيروت المفجوعة، المخلوعة الأبواب والنوافذ والطمأنينة، أن لا طائل من التحقيقات المحلية مهما قيل عن أن «ما من خيمة فوق رأس أحد»، وتجاربها دلّت أن غالباً ما تُترك ملفات الجرائم خاوية من أي أوراق في لبنان، الذي يشكّل المرتع الأول في الشرق الاوسط وربما العالم للاغتيالات والجرائم ضد الإنسانية.

ولم تَعْنِ لبيروت شيئاً إحالة الحكومة في جلسة سقوطها بارتدادات «زلزال» 4 أغسطس، ملف تفجير العنبر رقم 12 في المرفأ على المجلس العدلي، الذي تتكدس على طاولته وتحتها عشرات الجرائم، ولم تقلل التقارير الرسمية عن مجريات التحقيق من ارتيابها، خصوصاً في ضوء روايات عن أن ما جرى يتجاوز مسائل إدارية تتصل بالإهمال والتقصير.
في مجريات التحقيق المحلي، ذكرت التقارير أن النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات قرر التوسع في التحقيقات مع رؤساء الأجهزة الأمنية الموجودة على أرض المرفأ، والوزراء الذين تَعاقبوا على وزارة الأشغال منذ العام 2014، أي تاريخ إفراغ حمولة باخرة نيترات الأمونيوم، وأنه لن يتراجع أمام الضغوط التي تُمارَس عليه من السلطة، وهو يعتزم استجواب أي شخصيات يحتاج للاستماع إليها.

ولم يكن مفاجئاً ما ذكرته وكالة «رويترز» نقلاً عن مسؤول أمني، رفض الكشف عن اسمه، عن أن الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب تلقيا تحذيراً قبل وقوع كارثة انفجار بيروت بأسبوعين (في 20 يوليو).]

وقال المسؤول، الذي شارك في كتابة الرسالة إلى عون ودياب، بحسب «رويترز»: «لقد حذرتهما من أن هذا قد يدمر بيروت إذا انفجرت الـ2750 من نيترات الأمونيوم».
والأكثر إثارة في «خيوط اللعبة» التي تتكشف تباعاً فوق مسرح الجريمة، ما أَفْرج عنه قبطان «سفينة الموت» بوريس بروكوشيف عندما قال «ان رجل أعمال لبنانياً أراد الحصول على الشحنة الناسفة»، موضحاً أنّ رجل الأعمال يملك سفينة، وأراد الاتفاق معه على «عملية سرية» تقتضي «بالادعاء أنّ السفينة غرقت على أن يبيع شحنة نيترات الأمونيوم»، ولافتاً إلى أنّه تمت الموافقة على العملية «إلاّ أنّ الصفقة تعرقلت لعدم الاتفاق بينه وبين مالك السفينة».

وكشف قبطان «روسوس» الروسي، أنه تسلم السفينة من قبطان أوصلها من باتومي إلى مرفأ في تركيا، مشيراً إلى أنّه كان على «علاقة صداقة به لكن اتضح أنه شخص سيئ»، مضيفاً في حديث إلى محطة «LBCI»: «لم يقم أحد بالكشف عن السفينة في مرفأ بيروت ولم أعلم لماذا تخلفت السفينة عن دفع الرسوم في بيروت. لكن أعتقد أن الاموال لم تنفذ، وهذا ليس السبب».

وأضاف: «عندما تأتي سفينة يتم تقديم الوثائق الرسمية الخاصة بها التي تكشف طبيعة الشحنة ونحن قمنا بذلك، وعندما تم حجزها قيل لنا إن من الضروري إزالة المواد من على متنها لكننا بقينا لمراقبة الشحنة وعرفت السلطات بهذا الأمر».

وتابع بروكوشيف: «شاري السفينة هو – شبح – لأن أحداً لم يسأل عن هويته أو مكانه، وإذا كان الشاري قد استغنى عن بضاعة قيمتها ملايين الدولارات فهذا يعني أن وجهة استخدامها لم تكن زراعية».

وتتزايد مع رفْع الركام الهائل وفحص التربة والغوص في الحفرة وتَقَصي أثر موجودات العنبر والمستودعات، الشكوك في الرواية الرسمية التي تعيد الزلزال الرهيب الذي ضرب بيروت وهزّ العالم إلى مجرد «شرقتة نار» ناجمة عن التلحيم، وترسم علامات استفهام حول حقيقة ما جرى في 4 أغسطس المشؤوم.

وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، خيوطاً جديدة عن مجزرة مرفأ بيروت، استناداً إلى برقية ديبلوماسية أميركية صدرت يوم الجمعة، أي بعد 3 أيام من الانفجار الدموي، حين أكّدت في تقريرها أنّ متعاقداً أميركياً يعمل مع الجيش الأميركي حذّر قبل 4 أعوام تقريباً من أنّ مرفأ العاصمة اللبنانية يحتوي على مخبأ كبير للمواد القابلة للانفجار المخزنة بظروف غير آمنة.

وأوضحت أنّ خبيراً أميركياً في أمن المرافئ رصد وجود المواد الكيماوية خلال عملية تفقّد أمنية في المرفأ، ناقلةً عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين عملوا في الشرق الأوسط انه يُتوقع أن يكون المتعاقد قد أبلغ الأمر إلى السفارة الأميركية أو «البنتاغون» بالنتائج.
ونفى مسؤول رفيع المستوى في الخارجية الأميركية أن يكون المسؤولون الأميركيون على علم بوجود المواد المتفجرة في المرفأ، وقال «البرقية تشير إلى أنّهم لم يبلّغوا بذلك».

وأبلغ المسؤول الصحيفة إنّ المتعاقد «زار المرفأ بشكل غير رسمي قبل 4 سنوات تقريباً»، مشيراً إلى أنّه لم يكن يعمل آنذاك مع الحكومة الأميركية ولا مع وزارة الدفاع». وتابع إنّ سجلات الخارجية الأميركية تشير إلى أنّ المتعاقد قام بإبلاغ المعنيين بما اكتشفه الأسبوع الفائت، أي بعد وقوع الانفجار.

وفيما ذكرت الصحيفة أنّ الانفجار أدى إلى وفاة زوجة السفير الهولندي وموظف في السفارة الألمانية وألحق أضراراً كبيرة بمساكن مجموعة من السفراء الأوروبيين، كشفت أنّ عدداً من الديبلوماسيين الغربيين اعتبر إحجام واشنطن عن تحذيرهم من المواد المتفجرة مسألة صادمة ومثيرة للغضب، إذا كانت تعلم بوجودها فعلاً.

في السياق نفسه، لفتت الصحيفة إلى أنّ السفارة الأميركية في لبنان أصدرت البرقية الديبلوماسية يوم الجمعة، ووسمت محتواها بـ «حساس» وليس «غير سري»، مشيرةً إلى أنّ البرقية تضمّ قائمة بأسماء المسؤولين اللبنانيين الذين علموا بأمر شحنة نيترات الأمونيوم.

ونقلت عن البرقية انّ المتعاقد الأميركي أبلغ مسؤولي مرفأ بيروت عن عملية التخزين غير الآمنة لمادة نيترات الأمونيوم، إذ عمل مستشاراً للبحرية اللبنانية بين العاميْن 2013 و2016.

وفي تعليقها، أوضحت الصحيفة أنّ زمان نقل هذه المعلومات ما زال مجهولاً، ناقلةً عن مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين عملوا في الشرق الأوسط، ترجيحهم أن يكون المستشار قد بلّغ المسؤولين الأميركيين الذين أشرفوا على عقده بما عثر عليه فوراً، أي السفارة الأميركية أو وزارة الخارجية أو البنتاغون، بحسب المسؤولين الأميركيين.
وشككت البرقية بأسباب انفجار شحنة النيترات الأولية التي قدّمتها الحكومة اللبنانية؛ في إشارة إلى أنّ الحريق اندلع في مخزن للمفرقعات قبل أن تتسع رقعته. وفي المقابل، طرحت البرقية احتمال أن تكون ذخائر مخزنة في المرفأ ولّدت القوة اللازمة لتوليد انفجار نيترات الأمونيوم.

وتابعت البرقية ان سبب الحريق الأول «لا يزال غير واضح سواء نتيجة ألعاب نارية أو شيء آخر خُزن قريباً من نترات الأمونيوم».

وعوّم المسؤولون الأميركيون فكرة أن مخرن ذخيرة قد يكون تسبب بإطلاق الانفجار بعد أيام من تأكيد المسؤولين اللبنانيين على نظرية الألعاب النارية.

وفي سياق متصل، برزت معلومات أوردها برنت سادلر – مدير مكتب قناة «سي إن إن» في بيروت سابقاً – في مقال نشرته صحيفة «النهار»، إذ نقل عن شاهد على تفجير المرفأ طلب عدم الكشف عن هويته «رأيت طائرات تتجه شمالاً، بعيداً من بيروت. وبعد ثوانٍ، سمعنا انفجاراً»، كما نقل عن مصدر عسكري سابق ذي صدقية، طلب أيضاً عدم ذكر اسمه، أنه رأى طائرة تلقي بسلاحَين مجهولين على منطقة المرفأ.
وأضاف المصدر، الذي يمكنه رؤية المرفأ بوضوح في ضوء النهار من أعلى تلة: «رأيت التفجيرات. لا شك لديّ في ذلك».

وأورد سادلر أن «مؤسسة الأمن والحرية الأميركية»، حددت لدى تدقيقها عن كثب في أشرطة الفيديو المتوافرة وغيرها من روايات الشهود، أن مصدر الصوت الهادر القوي الذي يشبه صوت محرك الطائرات الحربية، كان داخل الحريق الأول «ما قد يشير إلى اشتعال محركات صواريخ لا إلى طائرات تحلّق في الأعلى».

فضلاً عن ذلك، لمح التقرير إلى اشتعال قذائف صاروخية وقذائف هاون وصواريخ من نوعٍ ما.

وأضاف: «يرد في تقرير المؤسسة التي أطلقها العام 2015 مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون انه بعد الانفجار الثاني بنحو 20 ثانية، تكثّفت النيران المتصاعدة تكثّفاً شديداً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوهج الأبيض داخل المبنى وفوقه، ما يتطابق مع وجود متفجرات من العيار الصغير، مثل قذائف هاون وقذائف صاروخية».