IMLebanon

مبادرة ماكرون اللبنانية… الاستعصاء أمامها وبومبيو وراءها

كتب وسام أبو حرفوش وليندا عازار في الراي الكويتية:

تقف بيروت على مَشارف ساعاتٍ  مفصلية يفترض أن يتّضح معها مآلُ محاولة باريس إدخالَ لبنان «غرفة الإنعاش» ومدّه بتَنَفُّسٍ اصطناعي مالي – اقتصادي يمنع انتقالَه من «الموت السريري» إلى زوالٍ حذّرتْ منه فرنسا بأعلى صوت وانطلقتْ على وهْجه مبادرةُ الرئيس ايمانويل ماكرون وفق أجندة مُبَرْمَجةٍ مَدْخَلُها «حكومة مَهمة» صارت شبه… مستحيلة.

وفيما مُني مسعى باريس بنكسةٍ في الشكل الذي كان اسمُه الحَركي مهلة الـ 15 يوماً (من 1 سبتمبر) لاستيلاد الحكومة بعدما تمّت الإطاحةُ عن سابِقِ تَصَوُّرٍ وتصميمٍ بـ «التوقيت الماكروني» للتأليف، ساد بيروت فائضٌ من التشاؤم المُدَجَّجِ بالمَخاوف الكبرى في ضوء ارتسام ملامح خطِّ نهايةٍ للمبادرة الفرنسية محكومٍ بـ «الفشل»، أو الفشل في «نسختها الأصلية»، كما أي نسخةٍ معدّلة قد يُستدرج الإليزيه إليها.

وبينما كانت الأنفاسُ محبوسةً رصْداً لردّ الفعل الفرنسي على تَجاوُز الإطار الزمني للتأليف، أبدتْ أوساطٌ واسعة الإطلاع الخشية من عامليْن تَقاطَعا عند رسْم أفقٍ قاتِمٍ للوضع في ظلّ مَلامح وقوع «حبل النجاة» الفرنسي بين «سكّينيْن»: استعصاءٌ للثنائي الشيعي، عنوانُه «حقيبة المال لنا أو لا حكومة»، و«عصا» أميركية ناعمة في وجه باريس عنوانُها التعاملُ مع وضعية «حزب الله» بجناحيْن سياسي و«إرهابي» مُتَكامِليْن أو لا فرصة لنجاح جهودها.

فمع انتهاء المشاوراتِ التي أجراها الرئيس ميشال عون (الاثنين والثلاثاء) حول الحكومة الجديدة وحجْمها والمداورة بين حقائبها ولمَن القرار في تسمية وزرائها بـ «النيابة» عن الرئيس المكلف مصطفى أديب، بات محسوماً أن شرْطَ تدوير كل الحقائب بوصْفه من «ألف باء» المَهمة الإصلاحية للحكومة العتيدة سيقف عند الجدار المنيع الذي أقامه «حزب الله» – رئيس البرلمان نبيه بري أمام أي انتزاعٍ لوزارة المال من يده والحؤول دون تسميته لوزرائه، وذلك بذريعة حِفْظ التوقيع الشيعي الثالث في السلطة التنفيذية وعدم كسْر كلمته الأولى والأخيرة في مَن يمثّله حكومياً.

وإذ برزت مؤشراتٌ إلى «أسباب تخفيفية» يمنحها فريق عون للثنائي الشيعي سواء تحت سقف «رفْض الاستقواء بالخارج» أو «عدم السماح بعزْل مكوّن طائفي» أو تفادياً لزرْع ألغام في طريق الاستقرار والسلم الأهلي والحكومة الجديدة، في موازاة تعقيداتٍ أمكن قراءتُها بين سطور الأسئلة التي طرحها رئيس الجمهورية في مشاوراته وتحديداً حول حجم الحكومة والمداورة ومَن يسمي الوزراء، اعتبرتْ الأوساط المطلعة أن هذا المناخ يشي بأن عون لن يكون في وارد توقيع التشكيلة المصغّرة (14 وزيراً) التي كان أديب ينوي تقديمها إليه الاثنين وترتكز على «البروفايل» الفرنسي لوزراء من الاختصاصيين الذين لا ولاءات سياسية لهم ويسمّهيم هو مع تحريرِ الحقائب من تخصيصها طائفياً وحزبياً.

وبإزاء هذا السيناريو الذي كرّستْه خلاصاتُ «الوقت الإضافي» الذي أطلق فيه عون مشاوراتٍ كان عزَفَ عنها الرئيس المكلف تَفادياً لإغراقه في لعبة الشروط والمساومات المعهودة وجاءتْ على طريقة «بدَل عن ضائع» وتخللها تَمسُّك الثنائي الشيعي وبلسان رئيس كتلة «حزب الله» محمد رعد كما وزير المال السابق علي حسن خليل بهذه الحقيبة، يبدو أديب وفق الأوساط نفسها بحال اختار الثبات على «حكومة ماكرون» مدْفوعاً بتشدُّد فرنسي على قاعدة أن المبادرة «سلّة واحدة» ولا مساومة على مندرجاتها، بين خياريْ إما الاعتذار أو الاعتكاف.

وترى الأوساط أن السيناريو الثاني المحتمل والذي يقوم على إمكان أن تُبدي باريس ليونةً في مقاربة «لغم» حقيبة المال من باب إبقائها للمكوّن الشيعي واختيار أديب وزيراً لها من أسماء يقترحها الثنائي باتت دونه عقبة كبيرة تجعل أي صيغةٍ من هذا النوع يخرج فيها الحزب بمكاسب نوعية تلامس توازنات النظام الدستوري – السياسي وبغطاء فرنسي محكومة بفشلٍ في كسْب ثقة المجتمعين العربي والدولي وخصوصاً الولايات المتحدة التي «تكمن على الكوع» لأي تَساهُل من ماكرون حيال وضعية «حزب الله» وتمكينه في النظام اللبناني ومفاتحيه.

ولم يكن عابراً على الإطلاق رفْعُ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو «العصا» واعتماده لغة «تأنيبٍ» وإن بقفازات لماكرون وعبر وسائل إعلام باريسية («لوفيغارو» وإذاعة «فرانس انتر»).

وبوضوحٍ حذّر بومبيو، ماكرون من أن جهوده لحل الأزمة قد تضيع سدى إذا لم يتم التعامل على الفور مع مسألة تسلّح «حزب الله»، معلناً «الولايات المتحدة اضطلعت بمسؤوليتها وسنمنع إيران من شراء دبابات صينية ونظم دفاع جوي روسية ثم بيع السلاح لحزب الله ونسف جهود الرئيس الفرنسي في لبنان».
وإذ تساءل إن كانت باريس مستعدّة للوقوف بجانب واشنطن في مواجهة إيران، وتأمين السلام والاستقرار الإقليمي، ذكّر بأن فرنسا ما زالت «ترفض تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية، كما فعلتْ دول أوروبية أخرى، وبدل ذلك توهم نفسها بأن هناك جناحيْن، سياسي وعسكري للحزب وهو الوكيل الإيراني والفاعل السياسي المهيمن لما يقارب ثلاثة عقود»، قبل أن يضيف «كيف يمكن لفرنسا أن تصوّت على إلغاء حظر الأسلحة لمدة أسبوع، ويلتقي الرئيس ماكرون بمسؤول كبير في حزب الله في بيروت في الأسبوع التالي»؟

وفي رأي الأوساط المطلعة أن مواقف بومبيو تجعل المبادرة الفرنسية عملياً وكأنها بين مطرقة التشدّد الأميركي، وبين سندان تَصَلُّب «حزب الله» وصولاً إلى كلام إعلامٍ قريب منه عن «انقلابٍ ناعم» أحبطه.

في سياق آخر (أ ف ب)، استفاق اللبنانيون، أمس، على نيران اشتعلت في مبنى صممته المهندسة المعمارية العراقية الراحلة زها حديد في وسط بيروت، بعد أسبوع تخلله اندلاع حريقين، أحدهما ضخم، في مرفأ العاصمة المدمر جراء انفجار مروّع قبل أكثر من شهر.
وتمكنت فرق الإطفاء من إخماد الحريق الذي ترك بصماته على المبنى قيد الإنشاء الذي يأخذ شكلاً دائرياً، وتفحمت إحدى واجهاته.