IMLebanon

إلى متى “يصمد” الحريري؟

كتب عماد مرمل في “الجمهورية”:

مع استعصاء الأزمة الحكومية على المعالجة حتى الآن نتيجة تعذّر التوفيق بين حسابات الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري، هل يمكن أن يبادر الرئيس المكلف في لحظة ما الى الاعتذار ام انّ هذا الخيار ليس وارداً لديه، لا حالياً ولا لاحقاً؟

منذ تكليفه، يحرص الحريري على تقديم نفسه بصورة مغايرة عن تلك التي ظهر فيها خلال المراحل السياسية السابقة، بدءاً من نمط مقاربته لمسألة تشكيل الحكومة، وصولاً الى طريقة تعاطيه مع عون ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل.

يشعر الحريري انّ قصر بعبدا وميرنا الشالوحي يراهنان على الوقت، ويفترضان انه لن يستطيع الصمود طويلاً عند لاءاته المرفوعة، بل سيتراجع عنها عاجلاً ام آجلاً، وسيضطرّ الى تخفيض سقفه المرتفع، وذلك ربطاً بتجارب الماضي التي تدلّ الى أنّ الحريري هو الذي يتطوّع للتنازل في نهاية المطاف، من أجل الوصول إلى تسويات مع خصومه.

يحاول الرئيس المكلّف أن يثبت لنفسه ولغيره ان الامر مختلف هذه المرة، وان حسابات العهد والتيار لن تصح مجدداً. وعليه، يوحي رئيس تيار «المستقبل» بأنه لن يصرخ أولاً مهما طالت معركة عض الاصابع مع عون وباسيل، وانه اذا كان له ان يُبادر الى الاعتذار فليس عن التكليف وإنما عن الاستمرار في تأدية دور أم الصبي من طرف واحد.

وبينما يفترض البعض انّ الحريري لا يستطيع أن يبقى قابضاً على التكليف و»محتجزاً» إيّاه في جيبه، الى ما لا نهاية، خصوصاً مع تفاقم شتى انواع الازمات التي لم تعد تسمح بترف المناورة السياسية، يرجّح البعض الآخر ان يتجنّب الرئيس المكلف الاعتذار مهما حاول العهد إحراجه لإخراجه، انطلاقاً من العوامل الآتية:

– يدرك الحريري، وفق مؤيديه، انّ عون وباسيل يدفعانه دفعاً نحو الانسحاب، ويسعيان الى قطع طريق السرايا عليه من خلال الإطارات السياسية المشتعلة. لذلك، هو لن يحقق لهما مبتغاهما، ولن ينكسر أمامهما بعدما تحمّل طويلاً تبعات التسوية معهما في بيئته.

– يرفض الحريري تكريس معادلة خطرة قوامها انّ بإمكان اي رئيس للجمهورية، متى أراد، ان يعرقل مهمة الرئيس المكلف لإجباره على الاعتذار، مع ما يرتّبه هذا السيناريو من إضعاف لموقع الرئيس المكلف مستقبلاً، أيّاً تكن هويته.

– يعتبر الحريري ان تكليفه ليس ملكه الشخصي حتى يتخلى عنه حين يشاء، فهو مكلف من أكثرية نيابية منحته الثقة، وكذلك يمثل اكثرية شعبية في طائفته من غير المقبول تهميشها ولا يحق له أن يخذلها مجدداً.

– يشكّل وجود الحريري في رئاسة الحكومة خط دفاع متقدم يبدأ من بعبدا، الأمر الذي يحميه، هو والمحسوبين عليه، ممّا يعتبر انها استنسابية او كيدية في الملاحقات القضائية وفتح الملفات، في حين انّ اعتذاره، وبالتالي فقدانه للحصانة السياسية، سيضطرّه الى اللعب على أرضه، وسينقل خط الدفاع الاخير الى بيت الوسط.

– يظن الحريري انّ عامل الوقت يضغط على عون بالدرجة الأولى وليس عليه، بعدما أنجَز من ناحيته المطلوب منه، ورفع الى رئيس الجمهورية تشكيلة وزارية تراعي معايير المبادرة الفرنسية. وبالتالي، فإنّ المتهم الأساسي أمام الداخل وباريس بعرقلة تشكيل الحكومة هو عون، وفق قناعة الرئيس المكلف.

وضمن سياق متصل، يشير أحد معارضي العهد الى انّ عون يريد تدفيع خصومه ثمن العقوبات الأميركية ضد باسيل، وكأنه يوجّه إليهم رسالة مفادها «اذا افترضتم انّ العقوبات ستريحكم من جبران وستمنحكم فرصة إضعافه، فإنّ العكس هو الصحيح، ولا حكومة تهمّش باسيل وربما لا رئاسة أيضاً من دونه».

ويلفت المصدر المعارض للعهد الى انّ عون يحاول ان يفرض المعادلة الآتية: «العقوبات الأميركية على باسيل تعادلها عقوبات رئاسية على القوى السياسية المتخاصمة مع رئيس التيار».

ووفق تقديرات المصدر، يأمل عون في أن يؤدي تصلّبه الى تحفيز الرئيس الفرنسي ماكرون على استخدام علاقته الجيدة مع الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن لإقناعه برفع العقوبات المفروضة على باسيل، من أجل تسهيل الحل السياسي في لبنان.

ما هي الاحتمالات المستقبلية إزاء هذا المأزق المقفل؟

تجزم اوساط سياسية بأنّ الحكومة ستتشكل حتماً مهما تأخرت، وبرئاسة الحريري شخصياً، وعلى أساس مساحة مشتركة ستجمع الطرفين، من دون أن يبدو أيّ منهما قد هُزم أمام الآخر.

لكنّ المتشائمين يستبعدون هذا الاحتمال، ويرجّحون تعذّر الولادة الحكومية حتى أمد طويل وربما حتى نهاية العهد، لافتين الى انّ عون لن يرضخ للحريري مهما كان الثمن، خصوصاً انه محاط بحكومتين بدل الواحدة، الأولى هي حكومة تصريف الأعمال التي يمكن تفعيلها لاحقاً، والثانية تتمثّل في المجلس الأعلى للدفاع الذي يؤدي دوراً اساسياً في هذه المرحلة.

ويستند هؤلاء في توقّعهم الى انّ عون وباسيل لا يريدان وجود الحريري في رئاسة الحكومة، والرئيس المكلف بدوره لن يتخلى عن ورقة التكليف بسهولة، ما يعني تواصل المراوحة الحالية بلا حدود. واذا حصل أن اعتذر الحريري تحت ضغط أصوات داخلية واقليمية، او لكونه سيجد انه من المُحرج له أن يظهر متمّسكاً بالسلطة فيما كل شيء ينهار من حوله، فإنّ اي شخصية سنية أخرى سيجري تكليفها لن تستطيع التأليف، خصوصاً انها ستكون مرفوضة ومحاصرة من طائفتها.

ويتوقّع أصحاب هذا الرأي ان يستمر دياب في ترؤس حكومة تصريف الاعمال، ليس فقط لغاية انتهاء ولاية عون، وإنما إلى ما بعدها، «إذ انّ انتخابات رئاسة الجمهورية غير ممكنة وسط النزاع الحاد الذي سيَشتد عند اقتراب الاستحقاق الرئاسي المقبل».

فهل يمكن أن تخرج الحكومة المرتقبة من عنق الزجاجة قبل أن يتطور المأزق، ام انّ دياب باق في مكانه أكثر مما كان يطمح؟ وحده المستقبل يملك الإجابة.