IMLebanon

4 آب 2021… دروس وعبر 7 آب 2001

للعام الثاني على التوالي، مرت ذكرى أحداث 7 آب 2001 الشهيرة على وقع هول كارثة لم يتوقعها أحد من دولة وصل بها الاهمال واللامسؤولية والتغاضي والتعامي إلى حد الاقدام على تفجير شعب والاجهاز على عاصمة،  في لحظات… في 4 آب 2020.

لكن الأهم يكمن في أن مرور الذكرى بشكل عابر في بلاد اعتادت المواعيد السود لا يعني أنها فقدت معانيها السياسية والنضالية بفعل عامل مرور الزمن. بل إن التمعن في المشهد الذي ساد بيروت والمناطق في الذكرى الأولى لنكبة مرفأ بيروت، يؤكد أن نضال أبطال 7 آب أثمر قوة وشجاعة وبطولة شعب ما عاد يخشى سلطة احترفت فنون القمع على أنواعها يوما.

على أن استخلاص دروس وعبر هذا اليوم النضالي المشهد يفترض عودة سريعة إلى السياق السياسي الذي اندلعت فيه شرارة الأحداث قبل عقدين من الزمن. القصة التي حفظها اللبنانيون السياديون الأحرار عن ظهر قلب بدأت عندما قاد الرئيس أمين الجميل والنائبان السابقان فارس سعيد وسمير فرنجية مساعي ختم الجرح المسيحي الدرزي النازف في الجبل المحبط منذ حرب الـ 1983، إلى أن تجرأ البطريرك التاريخي نصرالله صفير حيث تخاذل كثيرون. قفز سيد بكركي فوق الوصاية السورية الحديدية على لبنان ليزور الجبل، ويمد يد المصالحة إلى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ليختم بذلك حقبة من التاريخ اللبناني المطبوع بالدماء الزكية والاحباط المسيحي.

بخطوته هذه، أصاب صفير عصفورين بحجر واحد: أنجز من جهة تفاهما تاريخيا مع جنبلاط، الذي بدا بمبادرته هذه، حريصا على حقوق المسيحيين في العيش الكريم إلى جانب شركائهم في الجبل والوطن، وعوّض، من جهة ثانية، ما عاناه المسيحيون (بفعل نفي العماد ميشال عون وسجن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع ونفي الرئيس الجميل اختياريا في مرحلة سابقة)، معطيا إياهم دفعا قويا لإطلاق العنان لصرخات الحرية والمطالبات بالتخلص من نير الوجود السوري في لبنان. فكانت تظاهرات 7 آب الشهيرة الخطوة الأولى على طريق ثورة الأرز عام 2005. في ذلك اليوم، كسر شباب التيار الوطني الحر والكتائب والقوات حاجز الخوف والصمت وجاهروا بمطلب خروج سوريا من لبنان، طبقا لما نص عليه نداء المطارنة الموارنة الشهير الذي خطه البطريرك صفير شخصيا، واضعا بذلك المدماك الأول لمواجهة طويلة لن تخلو بطبيعة الحال من الدماء والموت.

في 7 آب 2001، اختضنت الشوارع والطرقات المحيطة بقصر العدل أبطالا وشبابا باتوا اليوم في بعض المواقع السياسية القيادية، ووجوها تحتل المنابر الاعلامية ومساحات النضال. فالذاكرة الجماعية تحفظ بالتأكيد صورة رئيس الكتائب سامي الجميل يخوض مواجهة مع أحد الضباط في ساحة العدلية في خلال التظاهرات. وإلى جانب الجميل، تحضر أسماء الزملاء ألبير كوستانيان (رفيق درب رئيس الكتائب)، وحبيب يونس وتوفيق الهندي اللذين لا تغيب عن الأذهان واقعة سجنهما الطويل قبل عشرين عاما، قبل أن يعودا إلى ممارسة العمل السياسي والاعلامي من موقعين متناقضين.

أما على الضفة البرتقالية، فاللائحة تطول بأسماء المناضلين أبرزهم عضو تكتل لبنان القوي النائب حكمت ديب، والجنرال نديم لطيف الذي رأس اجتماعا للهيئة السياسية في التيار الوطني الحر، يوم الثلثاء 7 آب 2001، حضره الرئيس الحالي للتيار جبران باسيل، وداهمته القوى الأمنية، ونفذت حملة اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين، بينهم إلى جانب لطيف، الأستاذ الجامعي أدونيس عكرا، وهو اليوم أحد أعضاء المحكمة الحزبية في التيار، إضافة إلى المناضلين أنطوان نصرالله وزياد عبس اللذين لم يسلما من عنف آلة القمع التابعة للنظام الأمني اللبناني السوري المشترك. غير أنهما تلقيا ضربة قاسية من قيادة التيار التي اتخذت قرار فصلهما من الحزب بسبب اعتراضهما على سياساتها وخياراتها.

في المقابل، ولسخرية القدر، أصبح بعض الوجوه المرادفة لقمع الحرية في 7 آب في مواقع تشريعية متقدمة، بينما انتقل آخرون إلى الدوائر اللصيقة بأهل الحل والربط.

لكن المثل اللبناني الشائع لم يخطئ. “الدنيا دولاب… الدنيا وجوه وعتاب”. ربما لم يخطر في بال هؤلاء أن الوصول إلى المناصب العليا لا يعني أنهم سيستطيعون المضي في مواجهة أصوات الحرية التي لا تعترف إلا بالكرامات حدودا. بدليل ما جرى في 4 آب 2021: على رغم كل الأجواء التي تعمدت السلطة إشاعتها عن الاستعداد لليوم الشعبي الكبير وخوض المواجهة فيه، استجاب اللبنانيون بكثافة لنداءات أهالي ضحايا المرفأ، لا لشيء إلا لأن الحق والحقيقة أقوى من كل النشاز السياسي، ولأن الحرية والعدالة لا تخافان القمع ولا تتكلان إلا على شجاعة كالتي أظهرها الشعب اللبناني، والقاضي طارق البيطار في وجه المنظومة الموسومة بالفشل. قد يكون هنا الانجاز الأهم لأبطال 7 آب.