IMLebanon

حكومة جديدة تعيد إلى لبنان… حس الفكاهة

كتبت من زيزي إسطفان في الراي الكويتية:

وبعد طول انتظارٍ و«إنذاراتٍ كاذبة» عدة ومخاض عسير باتت للبنان حكومة كان الشعب قطع الأمل من ولادتها. زفّ رئيس الوزراء نجيب ميقاتي «الخبر السعيد»، وبعيونٍ دامعة وصوت متهدّج لخّص المأساة التي يعيشها أهل لبنان، و«جبال» المسؤوليات التي تنتظر حكومته واعداً بالعمل يداً واحدة لخدمة الجميع.

وبعيد «مراسيم الولادة» التي لم يتسنّ لقسمٍ كبير من اللبنانيين متابعة وقائعها عبر شاشات التلفزيون في ظل انقطاع التيار الكهربائي، من «الدولة» كما من مولدات الأحياء التي تفتّش غالبيتها عن «قطرات مازوت»، عمّ نوعٌ من اللامبالاة «الشعب العظيم» الذي ما عادت الوعود «تخدّره»، هو الذي لُدغ مراراً من «جحورِ» حكوماتٍ متعاقبة على مرّ العهود رسم له بعضها أحلاماً وردية، ليجد نفسه منذ أوائل 2020 يتدحرج في… «الجحيم».

لكن رغم تشكيك «المُجرَّب»، ومن قلب أوجاعهم وفواجعهم ودموعهم التي لا يجدون مَن يكفكفها، رَصَدَ اللبنانيون بين سطور مَراسيم التشكيل منْفَذاً لـ «نكتة» وكأنها استراحة من «اليوميات السود». وبَدَلَ أن تشكّل ولادةُ الحكومة التي يتم الرهان عليها للجْم الانهيار المريع محطةً للتبحّر في برنامج عملها، اختار أبناء «بلاد الأرز» أن يؤخذوا بالشكليات ويأخذوا بالأشكال، ولجأوا بعد انقطاعٍ إلى «الكوميديا السوداء» في تعليقاتٍ بدت هروباً من واقعٍ… يقبض على أنفاسهم.

الدولار المتراقص ونكبة السوق السوداء

وُلدت الحكومة وقبل أن تنتشر أسماء الوزراء وسِيَرهم الذاتية، تراجع سعر صرف الدولار في السوق الموازية بـ «كبسة زر» من أكثر من 19 ألف ليرة إلى نحو 15 ألفاً وتهافت الكثيرون على بيع دولاراتهم خوفاً من انهيار سعرها بشكل أكبر. لكن «يا فرحة ما تمت» إذ عاد سعر الدولار المتراقص ليسجل ارتفاعاً بأكثر من ألف ليرة بعد «مرور» صدمة التشكيل وامتصاص «ثقب الانهيار» إيجابية هذا التطور الذي لا يتوهّم أحد بأنه كفيل في ذاته فقط بإخراج لبنان من الحفرة. وعلى الفور اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوات ونكات تظهر «نكبة» حَمَلة الدولار وانهيارهم بعد سماع خبر ولادة الحكومة، ومعهم تجار السوق السوداء الذين كادوا أن يشكلوا نقابة للاعتراض على توقف أعمالهم، ومثلهم جمعيات بيع غالونات البنزين و بعض تجار الأزمات وأصحاب المولدات.

وما إن انتشرت أسماء الوزراء، وكلهم يدخلون الحكومة للمرة الأولى، وصورهم حتى نسي اللبنانيون «قطبة» الثلث المعطل وحقوق الطوائف والتحذير من العتمة الآتية وجنون الأسعار المرتقب مع رفع الدعم عن المحروقات والذي أكده ميقاتي «لاننا منشّفين من المصاري» (الدولار)، ووضعوا جانباً همّ البنزين وطوابيره وكلفة العودة الى المدارس ونارها الحارقة و غيرها الكثير من الأزمات اليومية لينشغلوا بصور الوزراء التي اجتاحت مواقع التواصل.

وفي حين توقف العقلاء عند سيرة الوزراء الجدد ذوي الخبرات والشهادات العلمية العالية وبعضهم من جامعات عالمية وكونهم من الاختصاصيين، وإن لم يحلّ كل في مجاله، كما عند اختيار بعض الأسماء المضيئة التي برزت أخيراً مثل د. فراس الأبيض مدير مستشفى رفيق الحريري وقائد جبهة المقاومة في وجه جائحة كورونا كوزير للصحة او د. ناصر ياسين مدير مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية كوزير للبيئة، اكتفى آخرون وأخريات بتأمل شكل بعض الوزراء الجدد ووسامتهم، حتى أن البعض نصحهم بالتقدم الى مسابقة ملك جمال لبنان في حال فشلوا في أداء مهماتهم.

وتصدّرت صورة وزير الاقتصاد أمين سلام (من حصة ميقاتي) التراند بوسامته اللافتة حتى ان بعضهن عبّرن عن استعدادهن لتقبل رفعه لسعر ربطة الخبز كرمى لعيونه الجميلة وجسمه الرياضي الممشوق.

وكاد شكل وزير الطاقة الجديد وليد فياض المقرب من رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل ان يُنسي الناس مآسي الطاقة على مر العقود الأخيرة ومَن تسبب بها وأوصل البلاد لتكون «جمهورية العتمة»، لتصبح عيناه الملوّنتان حديث الناس وضوء الأمل المشعّ في العتمة الزاحفة.

وزير الإعلام والإعلامي الوسيم جورج قرداحي كانت له حصة الأسد من التعليقات، فصاحب البرنامج الشهير «من سيربح المليون»، خشي عليه كثيرون من أن يكون برنامجه المقبل «مَن سيسرق المليون». أما برنامج «المسامح كريم» الذي اشتهر به لحل الخلافات بين المتخاصمين من أبناء العائلة الواحدة فساد اقتناعٌ بأنه يصلح ليكون «اليافطة» لحكومةٍ طبعتْها التجاذبات منذ بداية السعي لتشكيلها ويُخشى ان تستمر بين «أضلاعها الثلاث» وتتكاثر. ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي طرحه الناس هو هل «سيثبت قرداحي خطواته» كما في الإعلان الذي يشارك فيه مع تيار المردة أم يعيده الحنين الى «التيار البرتقالي» (التيار الحر) الثابت الخطوات في الحكومة؟ والأهمّ هل يستعيد قرداحي علاقاته المترنّحة مع بعض دول الخليج ليتمكن من تأمين تواصل صحيح بينه وبين وزراء الإعلام العرب كافة؟

حكومة الشباب ومصيرها

لا شك أنها وزارة شبابية ذكّرت البعض بحكومة الشباب التي شكّلها الرئيس صائب سلام في السبعينات من القرن الماضي وكان الكل يعول عليها لإعطاء دينامية جديدة للحياة السياسية اللبنانية حينها ولإخراج الإدارة من العجز الذي تتخبط فيها، فما كان منها إلا الاستسلام أمام صعوبة تغيير الواقع اللبناني بمتشعباته الكثيرة حينها والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم بزخم أقسى.

التشبيه خطر ببال العديد من المخضرمين الذين أقاموا مقارنة بين تلك الوزارة وهذه، معربين عن الخشية من أن يشابه مصير الوزراء الجدد مصير أسلافهم في حكومة الشباب الماضية وينهزموا تحت سيطرة قوى الأمر الواقع المتمسكة بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان.

وإذا كانت الحكومة الجديدة شبابية بامتياز رغم وجود وجوه مخضرمة فيها صاحبة خبرة في العمل السياسي والديبلوماسي مثل وزير الخارجية عبدالله بو حبيب ووزير التربية والتعليم العالي عباس حلبي، فإنها تفتقد الى العنصر النسائي بشكل صارخ. فحكومة الـ 23 وزيراً ووزيرة، لا تضمّ في صفوفها إلا السفيرة نجلا رياشي عساكر التي عُينت وزيرة للتنمية الإدارية. ورغم ثقلها العلمي والثقافي والديبلوماسي، إلا أن الوزيرة الوحيدة لا يمكن أن تملأ الفراغ النسائي في الحكومة التي اعتادت سابقاتها على ستة وجوه نسائية أثبت بعضها كفاءة وأهلية عالية فيما مرت أخريات مرور الكرام فكن مجرد أسماء لم تعلق طويلاً في الذاكرة لضآلة إنجازاتها.

الحكومة تتكلم الفرنسية

المتمعّن في قراءة سيرة الوزراء الجدد يلاحظ بلا شك أنه الى جانب كفاءاتهم العلمية العالية وخبراتهم في المجال الاقتصادي و المالي، فإن غالبيتهم من أصحاب الثقافة الفرنسية ويتقنون لغة «الأم الحنون» ودرسوا في جامعاتها، وهذا اعتُبر مؤشراً لرغبة الدولة اللبنانية في إرضاء الرئيس الفرنسي ماكرون والإتيان بوزراء تشرّبوا الثقافة الفرنسية ويمكنهم ان «يفهموا على سيد الاليزيه ويفهم عليهم». أما الملاحظة الثانية لمَن يتعمّق في النظر الى سير الوزراء فهي وجود أربعة قضاة فيها يتولون وزارات مختلفة الى جانب وزارة العدل وكأن المقصود من تسمية القضاة إعادة ثقة الشعب اللبناني بعدالته ودور قضائه بعد تزعزع هذه الثقة إثر الخلافات الدائمة حول التعيينات القضائية وتباطؤ الٌقضاء في البت في جريمة العصر اي انفجار مرفأ بيروت الهيروشيمي.

غالبية الوزراء الجدد لا يعرفهم الجمهور اللبناني ولم يسمع عن إنجازاتهم بعد لكن قديماً قيل: «الضد يظهر حسنه الضد» ويكفي انهم سيحلون محل وزراء صبّ اللبنانيون عليهم جام نقمتهم لتقاعسهم الفظيع في أداء واجباتهم الوزارية أو لفشلهم الذريع فيها.

فوزير التربية السابق القاضي طارق المجذوب حيّر اللبنانين والطلاب وأهلهم والمعلمين ومدارسهم بقراراته المتقلبة التي لم تكن دائما تخضع للمنطق القويم، ولذا كان استقبال الجمهور لوزير التربية الحالي عباس حلبي استقبالاً إيجابياً حيث رأوا أنه سيكون حتماً أفضل من الذي سبقه. أما وزير الاقتصاد الجديد أمين سلام فهو «المُنْقِذ» من قرارات الوزير السابق راوول نعمة الذي أتحف اللبنانيين بقصة السلة المدعومة وطيّر القسم الأكبر من احتياطي مصرف لبنان على أصناف هُرِّبت غالبيتها الى الخارج، ولم تخدم قراراته الاقتصادية فقراء لبنان ومحتاجيه بل ساهمت في زيادة الاحتكار والغلاء وفاقمت مصيبة التهريب.

لكن ما يخشاه اللبنانيون أن يشبه بعض الوزراء الحاليين مَن سبقهم ويقوموا بالخطوات الناقصة ذاتها ويتحفوهم بتصريحات غريبة عجيبة وكأنها من عالم «لالا لاند». وبدا خوفهم في محلّه حين استمعوا الى أول تصريح لوزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار، وهو من فئة «العونيين دائمي التفاؤل» كما وصفه رواد مواقع التواصل، الذي أطلّ على الإعلام ليقول للبنانيين إنهم يغالون في التذمر من معاناتهم «وماذا يعني إن كانت الحفاضات مقطوعة او المحارم الورقية كذلك؟ ففي الصين، الأمبراطورية العظمى، لا يستخدمون الحفاضات الورقية بل تلك التي تُغسل ويُعاد استعمالها وفي القرن الماضي كان الأهل يستخدمون محارم القماش ثم يغسلونها ويكوونها»، طالباً من اللبنانيين اليوم الاقتداء بهؤلاء، متناسياً ربما سعر مساحيق الغسيل وتكلفة صهاريج المياه وغياب التيار الكهربائي عن غالبية البيوتات وغسالاتها!!!

أما وزير الأشغال العامة و النقل علي حمية الحائز على دكتوراه في الإلكترونيات والاتصالات الضوئية من فرنسا، ولديه أكثر من 50 بحثاً علمياً دولياً ويحمل الجنسية الفرنسية فيبدو أنه عاد الى جذوره البعلبكية، إذ ما أن تسلّم الوزارة حيث استُقبل في قريته البقاعية طاريا بإطلاق نار كثيف ترحيباً به. هذه العادة التي ما انفكت تحصد الضحايا الأبرياء في لبنان كانت آخر ما ينتظره المواطنون أن يلعلع رصاصها ترحيباً بوزير في الحكومة الجديدة التي يعوَّل عليها لنقل لبنان من مرحلة الانهيار الى الخروج من الأزمة.

وعلى أمل أن يكون رصاص الترحيب آخر صوت رصاص يسمعه اللبنانيون، وأن تكون وسامة الوزراء و«زنودهم المفتولة» أكثر من مجرد صُور، ينتظر لبنان ومعه العالم ان يشمّر الوزراء عن سواعدهم ويستغلوا علمهم وخبراتهم لإنقاذ هذا الوطن الجريح.

لم تغِب «الكويت» عن الحكومة اللبنانية الجديدة. فالسيرة الذاتية لنائب رئيس الوزراء الدكتور سعادة الشامي (من حصة الحزب السوري القومي الاجتماعي) تُظْهِر أنه انتقل الى الكويت العام 2018 حيث يتولى منذ ذلك التاريخ منصب كبير الاقتصاديين لمجموعة بنك الكويت الوطني.

وسبق ذلك تَنَقُّله في مراكز مرموقة عدة وتمضيته 20 عاماً في صندوق النقد الدولي.