IMLebanon

الحروب السرّية بين إسرائيل وإيران

كتب جوني منير في “الجمهورية”: 

ما من شك في انّ الولايات المتحدة الاميركية، الساعية الى تركيز مداميك استراتيجيتها المتعلقة باحتواء التمدّد الصيني على الخريطة العالمية، تعمل على إعادة ترتيب الشرق الاوسط بنحو يحفظ مصالحها، وعلى أساس إقفال ساحاته في وجه الصين، التي أبدت اهتماماً خاصاً بهذه المنطقة الحيوية من العالم. لذلك تسعى واشنطن الى إعادة وضع معادلات ملائمة للعقود المقبلة في الشرق الاوسط.

وخلال العقود الماضية، ارتكزت الاستراتيجية الاميركية في الشرق الاوسط على تعزيز دور اسرائيل العسكري، كثكنة اميركية على ابواب الخليج، حيث منابع النفط الأكبر في العالم، وعلى رعاية تركيا، من خلال حماية إمساك العسكر بالسلطة وجعلها حجر الزاوية في حلف شمال الاطلسي، كونها تشكّل سداً قوياً في وجه اي تقدّم سوفياتي في اتجاه دول الخليج العربي.

صحيح انّ ايران في ظلّ حكم الشاه تولّت بعضاً من هذا الدور، الّا أنّ الثورة الإسلامية الايرانية شكّلت ازعاجاً دينياً للحزب الشيوعي السوفياتي الملحد. اما الآنّ، فإنّ الولايات المتحدة الاميركية تريد تركيب معادلة جديدة في الشرق الاوسط، تسمح لها بالتفرّغ لسياسة احتواء الصين.

ورغم انّ اسواق الشرق الاوسط تمثل نسبة متواضعة من إجمالي التجارة الاميركية، الّا انّ المنطقة تُعتبر سوقاً نامية للأنشطة التجارية والاستثمارية الاميركية، ما يستوجب رعايتها ولو من خلال تفاهمات جديدة.

في الرؤية الاميركية الجديدة، بقي اللاعبون الأساسيون الثلاثة في صلب المعادلة، والمقصود بهم ايران وتركيا واسرائيل، ولكن لاعباً جديداً دخل بقوة الى المعادلة من خلال الساحة السورية، والمقصود به روسيا.

من المفترض ان تتزعم اسرائيل المجموعة المناهضة لإيران ومشروعها القاضي بتصدير الثورة الإسلامية، وهو ما يستوجب أولاً الاعتراف بالحضور الاسرائيلي كدولة طبيعية بين محيطها، والسبيل الى ذلك من خلال تحقيق معاهدات الصلح والتطبيع، وهو ما بدأ تنفيذه بوتيرة سريعة بعد سلام بارد مع مصر، وسلام بمفاعيل أمنية اكثر منه سياسية واقتصادية مع الاردن.

من هنا بدأ تنفيذ «اتفاقيات ابراهيم» من خلال الامارات والبحرين، وعلاقة شبه رسمية مع سلطنة عمان. لكن اسرائيل تدرك انّها في حاجة الى علاقة تطبيع خصوصاً مع السعودية والكويت، وهو ما تعمل واشنطن على تحضير أرضيته بالإغراء او بالضغط. الإمارات أصبحت حالياً اكبر شريك تجاري لاسرائيل في الشرق الاوسط، حيث وصل التبادل التجاري بينهما منذ إقرار التطبيع الى نحو 600 مليون دولار.

وأخيراً، زار وزير الخارجية الاسرائيلية يائير لابيد البحرين، وتمّ التقاط صورة معبّرة جداً وتلخّص الواقع جيداً. الصورة التُقطت في القاعدة الاميركية في البحرين، حيث قيادة الاسطول الخامس الاميركي. وظهر في الصورة وزيرا خارجية اسرائيل والبحرين يتوسطهما قائد الاسطول الاميرال براد كوبر. الرسالة واضحة، وهي أنّ واشنطن ترعى التطبيع العربي مع اسرائيل وتحميه، خصوصاً أنّ القاعدة الاميركية في البحرين مواجهة للساحل الإيراني.

أضف الى ذلك، انّ الاسطول الخامس الاميركي يعمل في المحيط الهندي والخليج، حيث حصلت مواجهات بحرية عدة، كانت ايران الطرف الرئيسي فيها. لكن ايران باتت حاضرة عسكرياً وبقوة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وهو ما يجعل اسرائيل مطوّقة، خصوصاً اذا أضفنا اليها «حماس» في غزة. وهذا يعني انّ اسرائيل ستكون عاجزة عن القيام بالوظيفة التي ارادتها لنفسها طوال العقود المقبلة.

لذلك، ربما يجري التحرّك في اتجاهين: الاول، قرب الحدود الإيرانية وإحاطتها بالمخاطر الأمنية تماماً كما فعلت ايران مع اسرائيل. والثاني، السعي الى تقليم اظافر ايران، خصوصاً في سوريا ولبنان. بالنسبة الى الاتجاه الاول جاء إخلاء الساحة في افغانستان أمام «اهداء» حركة «طالبان» السلطة مجدداً. حتى الآن تبدو «طالبان» هادئة وواقعية، لكنها مسألة وقت، حيث لن يتأخّر التنظيم المتطرّف في العودة الى لعب دوره الطبيعي.

في اي حال، عادت افغانستان لتصبح نقطة جذب للمتطرفين في العالم. وكي نكون واقعيين، فإنّ افغانستان ستصبح مشكلة للصين وروسيا وبطبيعة الحال ايران. وقد تساعد «براغماتية» ايران في تأخير الاحتكاكات مع حركة طالبان بعض الوقت. ذلك أنّ ايران عملت طوال السنوات الثلاث الماضية، وتحديداً منذ بدء الدور القطري في إنجاز مفاوضات اميركية مع طالبان، على ترتيب وجود ايراني غير معلن في افغانستان، وتقديم خدمات تحتاجها طالبان، لكن طهران «الواقعية» تدرك انّ هذا الدور سينتهي يوماً ما، رغم انّها تعمل على إطالته.

لكن نجاح ايران المرحلي والمؤقت عند حدودها مع افغانستان لم يضمن هدوءاً عند حدودها مع اذربيجان، حيث الخطورة اكبر. فعدا عن انّ الحدود بينهما تمتد الى نحو 700 كلم، فإنّ الاقلية الآذرية داخل ايران والتي تشكّل نحو 25% من التركيبة السكانية الايرانية، بدأت تتعاطف أخيراً مع اذربيجان وتركيا، خصوصاً بعد الحرب التي شنتها على ارمينيا. وخلال الاسابيع الماضية تصاعد التوتر فجأة بين البلدين، بسبب التدريبات المشتركة التي أجرتها القوات التركية والاذربيجانية في بحر قزوين. المشكلة لا تكمن هنا فقط، بل بالعلاقات القوية بين اذربيجان واسرائيل، التي عملت على بناء موقع رئيسي لعمليات التنصت والتجسس وجمع المعلومات في اذربيجان قرب الحدود مع ايران.

كذلك تعمل اسرائيل على تزويد اذربيجان أسلحة حديثة ومتطورة، اضافة الى طائرات مسيّرة. ومعه يبدو من المنطقي التساؤل حول انتقاء هذا التوقيت بالذات للتدريبات العسكرية المشتركة مع الاتراك، خصوصاً انّ طهران متحسسة من علاقات اذربيجان بتركيا التي تسعى الى مدّ نفوذها في اتجاه آسيا الوسطى. أضف الى ذلك، انّ الرئيس التركي، والذي كان التقى أخيراً نظيره الروسي، مستعد لصوغ تفاهمات مع موسكو على حساب ايران، سواء في اذربيجان او سوريا.

وتسلّلت اسرائيل كذلك في اتجاه كردستان العراقية، حيث عُقد في 24 ايلول الماضي اجتماع ضمّ وجهاء عراقيين، بعضهم كان ينتمي الى حركة «صحوة ابناء العراق» التي قاتلت وبدعم اميركي، «القاعدة» و«داعش».

وهدف الاجتماع حمل مطالبة بدخول بلادهم في علاقات طبيعية مع اسرائيل في اطار «اتفاقيات ابراهيم». لكن خطوة هذا الاجتماع لا تزال بدائية ومن المبكر التعويل عليها، لكن خطورتها تكمن في وجود نيات لسحب الساحة السنّية اليها.

وسط هذا المناخ، بدأت واشنطن في تحضير الساحة السورية لإعادة ترتيبها. الواضح انّ الادارة الاميركية تتفق مع تسوية سياسية في سوريا، تعطي دوراً اوسع لروسيا على حساب النفوذ الايراني، شرط إخراج ايران من جنوب سوريا. وعلى هذا الاساس جاءت ترتيبات الأحداث التي شهدتها درعا أخيراً.

وفي نهاية العام 2011، دعا ملك الاردن الى رحيل بشار الاسد، وبعد زهاء عشر سنوات عاد التواصل الرسمي المباشر بين الرئيس السوري والملك الاردني المتحسس جداً من اي وجود ايراني قريب من حدوده.

قبل ذلك كانت موافقة الاردن على مدّ لبنان او ربما ربطه بالغاز القادم من مصر والكهرباء الاردنية. الواضح انّ لبنان هو جزء من هذه الترتيبات الواسعة الحاصلة في المنطقة، والتي يجري العمل على إخضاعها لتوازنات جديدة.

ألم يشهد العام 2019 ولادة منتدى غاز الشرق الاوسط، والذي يتمحور حول الثروة الغازية المكتشفة قبالة سواحل مصر وصولاً الى لبنان وقبرص؟

في الواقع، مع العودة الى مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، والتي ستليها مفاوضات ترسيم الحدود البرية، وستترافق مع تفاهمات لن يُعلن عنها على الأرجح، لا بدّ من قراءة الصورة من زواياها الأربع، حتى ولو كانت بعيدة.

فالمفاوضات البحرية والبرية تستوجب أجواء ناضجة وملائمة في الاقليم.