IMLebanon

في لبنان كما العراق.. “القوة الناعمة” تُعاند النفوذ الإيراني!

لم يكن ممكناً في بيروت أمس الاكتفاءُ بعمليةِ «رصْدٍ عن بُعْدٍ» لمعاني وأبعاد محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، بعدما أثار هذا التطورُ خشيةً من أن يكون إيذاناً بدخولِ المنطقةِ منعطفاً أمنياً بالغ الخطورة على وقع ارتسام مسارٍ مُمَنْهَجٍ يُراد منه أن تتم العودة إلى طاولة المفاوضات حول النووي في 29 الجاري على «حبل مشدود» في كل ساحات النفوذ الإيراني.

ومن هنا بدا الحدَث العراقي الأمنيّ حلقةً في سلسلةٍ من الاندفاعات، العسكرية في اليمن، والسياسية في لبنان الذي رُمي في فم أزمةٍ غير مسبوقة مع دول الخليج العربي على خلفية تصريحاتٍ لوزير الإعلام جورج قرادحي تم التعاطي معها خليجياً على أنها تعبير عن خياراتٍ عميقة وانعكاس لانحراف «بلاد الأرز» بعيداً عن الحضن العربي بقوةِ سيطرة «حزب الله» وتحكّمه بمفاصل القرار.

وفيما كانت الأبواب موصدةً بالكامل أمام ولو «مخرج طوارىء» يوقف تَمَدُّد ما يشي بأن يتحوّل «نكبة» ديبلوماسية – سياسية للبنان في علاقاته مع دول «طوق النجاة» التي لم تشكّل يوماً إلا «شبكة الأمان» له في كل «الكوارث» التي عصفت به على مرّ العقود الماضية، لم يتوانَ خصوم «محور الممانعة» عن رسْم معادلة مخيفة قديمة – جديدة عنوانها «إذا أردتَ أن تعرف ماذا يجري في لبنان، عليك أن تعرف ماذا يجري في العراق»، وربما العكس صحيح أيضاً، معتبرة أن الرابط تكاد أن تختصره الانتخابات والاغتيالات.

فمحاولة اغتيال الكاظمي ليل أول من أمس على وهج نتائج الانتخابات التي خسر فيها حلفاء إيران وأعلنوا رفْضهم لها ويندفعون لمحاولة «شطْبها» والارتداد عليها، أعادت إلى الذاكرة، بحسب هؤلاء، كيف شُطب الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 عشية انتخاباتٍ كانت نتيجتها المتوقَّعة خروج لبنان من قبضة التحالف السوري – الإيراني.

وإذا كان الكاظمي نجا بأعجوبة من المسيَّرات المفخَّخة، فإن رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي يبدو الآن في بيروت وكأنه في ما يشبه «الإقامة الجبرية»، ممنوعٌّ عليه جمْع حكومته بعدما شُلَّت بقرارٍ من الحليف الأقوى لإيران، أي «حزب الله» الذي أعلنها حرباً مزدوجة ضدّ التحقيق في انفجار مرفأ بيروت وكبير المحققين في الجريمة القاضي طارق بيطار، وضدّ «خريطة الطريق» التي وَضَعها ميقاتي لتفكيك الأزمة مع دول الخليج ولا سيما المملكة العربية السعودية ولإخراج «بلاد الأرز» من «ورطة» كبيرة مفتوحة على المزيد من الفصول التصاعدية بحال لم يبادر لبنان الرسمي للقيام بـ «الخطوة الأولى» عبر دفع قرداحي للاستقالة وكسْر الحلقة الجهنّمية التي باتت تربط إقالته «المحظورة» بتطيير الحكومة.

وبدا من الواضح بحسب أوساط سياسية، أن السلوك التصعيدي لـ «حزب الله»، بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن حلفائه، سيُفْضي إلى تطيير الانتخابات النيابية في لبنان (ربيع 2022) التي من المرجّح أن تطيح نتائجُها بمكانة ذراعه المسيحية، أي «التيار الوطني الحر»، بعدما شكّل تحالفهما أداة الإمساك بالمفاصل الاستراتيجية للسلطة، وسط اقتناعٍ بأن طهران لن تسلّم بالحدّ من دورها الاقليمي و«إعادة إيران إلى إيران» بقوة صناديق الاقتراع في ساحاتِ سيطرتها المفترضة، أي عبر انتخاباتٍ باتت بمثابة «القوة الناعمة» التي يُراهَن عليها خارجياً لقطْع «قوس نفوذها» حتى المتوسط.

وعلى وقع هذا المشهد البالغ التعقيد، يصل إلى بيروت اليوم الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي في مَهمةٍ تتمحور حول حضّ لبنان على القيام بما يلزم لاحتواء الأزمة مع دول الخليج، وسط مناخاتٍ بأن سقف طروحات زكي، الذي سيلتقي إلى ميقاتي رئيسيْ الجمهورية ميشال عون والبرلمان نبيه بري، لن يكون أقلّ من خريطة الطريق التي اقترحها رئيس الحكومة وتنطلق من استقالة قرداحي وعودة مجلس الوزراء الى الاجتماع مع عزْل قضية المحقق العدلي في «بيروتشيما» عن مداولاته، وحض «حزب الله» على لجْم اندفاعته وتفرُّده بالخيارات الاستراتيجية.

وبات واضحاً أنه رغم الدخول العربي على خط هذه الأزمة، فإن «حزب الله» ليس في وارد التراجع عن رفْض أي «مساس» بوزير الإعلام، بل على العكس هو يرفع وبوتيرة متدحرجة سقف «المواجهة» مع المملكة العربية السعودية، وفق ما عبّرت عنه أمس مواقف لنائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الذي اعتبر أن «لبنان لم يرتكب شيئاً، وليس مسؤولاً عن شيء، وليس مطلوباً من المعتدى عليه ألا وهو لبنان أن يتنازل ويتذلّل ويعتذر، بل المطلوب من المعتدي الذي هو السعودية أن تتراجع وتعتذر للشعب اللبناني».