IMLebanon

لبنانيون رماهم “تسونامي الانهيار” ببحار الهجرة غير الشرعية

لا شيء يحمله الهارب من المرض والفقر والجوع، أكثر من «بقجة» صغيرة فيها بعض ممتلكاته الخاصة، وبضعة دولارات أصبحت كل ما يملك.

خلفه اليأس والقهر وسوء الحال، وأمامه البحر والحلم بمستقبل أفضل، في أي بلد يعيده إلى الحياة التي فقدها حيث ولد.

منذ أن أصبح البحر المتوسط ملاذَ الفارين من الحرب السورية، يحاولون الهروب عبره إلى أوروبا، صار كذلك حلم اللبنانيين الذين تحوّلوا منذ عامين إلى مشاريع لاجئين.

تماماً كما كان يحدث أيام الحرب الأهلية والقصف والقنص، ومعارك الشوارع، التي جعلت مئات اللبنانيين يتركون كل شيء ويغادرون، بعضهم عبر تأشيرات سفر وبعضهم بطرق غير شرعية، إلى بلاد كانت أشبه بمحطات استراحة، فتحوّلوا فيها لاجئين قبل أن يصبحوا مواطنين شرعيين يحملون جوازات سفر دول قدّمت لهم المأوى والعمل وراحة البال.

منذ عام وأكثر ومع تَفاقُم حدة التدهور المالي – الاقتصادي – الاجتماعي، تعاظمت محاولات الهرب عبر البحر، إلى أوروبا، وأُحبطت في غالبيتها وذهب ضحيتها هاربون من الفقر، ليجدوا أنفسهم إما ضحية عصاباتِ تهريبٍ سرقت أموالهم وتركتْهم في عرض البحر، وإما سقطوا ضحية العواصف، و إما أُعيدوا إلى حيث هربوا، سواء من خلال دوريات لبنانية بحرية أو من جانب السلطات القبرصية، كون قبرص كانت البلد الذي شكل الوجهة الأكثر استقطاباً كبوابة أوروبية.

شكل شمال لبنان ولا سيما طرابلس، حيث ترتفع حدة المأساة الاجتماعية، أكثر المناطق التي سعى أبناء منها إلى الفرار من لبنان عبر عمليات تهريب، بالتعاون مع سوريين هاربين من بلادهم أو لاجئين فلسطينيين. فالفقر واللامساواة جمعا الكل في قارب واحد.

عائلاتٌ وأطفال وشبان، وجدوا في الهروب الى قبرص أو تركيا الأقربتين إلى لبنان، طريقاً للوصول إلى أوروبا.

لكن لتركيا حساباتها مع اللاجئين وكذلك لجزيرة قبرص نظامها وسياستها في تطبيق الإجراءات الأوروبية.

علماً أن جمعيات حقوقية وأممية عالمية شكت مراراً من سياسة الجزيرة بإعادة اللاجئين لا سيما خلال العامين الماضيين. وهي حاولت، من خلال زيارة ديبلوماسييها إلى بيروت، التفاهم مع السلطات اللبنانية على التشدد في قمع عمليات التهريب.

في الآونة الأخيرة، سجلت أكثر من عملية ضبْطٍ قام بها الجيش اللبناني، كان آخرها الأسبوع الفائت حيث أعلن عن توقيف مركب في المياه مقابل بلدة القلمون وعلى متنه 91 شخصاً، لبنانيون وسوريون وفلسطينيون، وبينهم أطفال ونساء، أثناء محاولة تهريبهم بطريقة غير شرعية، وأُنقذ المركب الذي كاد أن يغرق بسبب سوء الأحوال الجوية.

وهذه ليست حادثة فريدة بل إن الجيش أعلن في العام الأخير، عن سلسلة عمليات توقيف مهاجرين غير شرعيين، ومنها قبل نحو شهر، حين أحبطت القوات البحرية عملية تهريب أشخاص عبر البحر وأوقفت 54 شخصاً، كانوا على إحدى الجزر الصغيرة قبالة طرابلس في انتظار وصول عدد من المراكب لنقلهم عبر البحر بطريقة غير شرعية.

وفيما عمدت قبرص إلى رد المهاجرين وإعادتهم إلى لبنان والتعاون مع السلطات اللبنانية، قامت تركيا باحتجاز أكثر من 60 لبنانياً، من الشمال أوقفتْهم وهم يحاولون الهرب إلى أوروبا ووضعتْهم في مخيم للاجئين.

وقد تحولت هذه القضية عنصر ضغط من أهالي المجموعة الذين اعتصموا وطالبوا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الداخلية بسام مولوي بالتدخل لدى تركيا لإعادة المجموعة اللبنانية.

وإذا كان اللجوء عبر البحر، هو الوسيلة الأكثر انتشاراً، فإن استخدام المطارات يتحوّل هَمّاً آخر سيضاف إلى تحديات الأجهزة الأمنية في لبنان وأوروبا.

وفيما تتشدد بيروت في قمع عمليات التهريب، وهي تتعاون مع السلطات في دول أوروبية لمنْع تدفق اللاجئين إليها وسط حال الفوضى التي بدأت تعم هذه الدول نتيجة سياسة النزوح، برز استخدام المطارات كوسيلة لجوء شبه شرعية.

فمع تَفاقُم التوتر بين بيلاروسيا وأوروبا بسبب الأزمة مع بولندا، تردد اسم لبنان كواحد من مناطق الهجرة التي ينطلق منها مهاجرون إلى بيلاروسيا عبر خط جوي تؤمنه شركة بيلاروسية، ما اضطر لبنان إلى اتخاذ تدابير لمنع تدفق اللاجئين عبره، وأصدر تعميماً لكل شركات الطيران نص على «حصر المسافرين المتوجهين من لبنان إلى بيلاروسيا، باللبنانيين الذين لديهم تأشيرات دخول إليها أو لديهم إقامة، إلى جانب مواطني بيلاروسيا، والعرب والأجانب الذين لديهم إقامة هناك»، لافتاً إلى أن هذا الإجراء «يشمل المسافرين مباشرة أو العابرين، ترانزيت، في مطارات وسيطة بين البلدين».

علماً أن وسائل إعلام غربية نشرت شهادات للبنانيين من بيلاروسيا في سعيهم للانتقال إلى بولندا أو المطالبة بتأمين العودة إلى لبنان.

وفي وقت ارتفعت أعداد طالبي جوازات السفر للبنانيين، سُجل ارتفاع في نسبة عمليات التهريب جواً، وهي تضم لبنانيين وفلسطينيين وسوريين، مع تبدُّل أنواع العمليات عبر لبنان وخارجه.

فقد سجلت إسبانيا أخيراً حادثة تذكّر بأيام الحرب اللبنانية، إذ إن مجموعة من 39 فلسطينياً، من أحد مخيمات لبنان، ويحملون أوراقاً من وكالة «الأونروا»، نزلوا في إسبانيا كمحطة ترانزيت، في رحلة متوجهة من مصر إلى كولومبيا والإكوادور، لكنهم طلبوا اللجوء في إسبانيا.

وتدقق إسبانيا حالياً في طالبي اللجوء وفي حصول هؤلاء على وثائق سفر لبنانية.

هذه العمليات المتتالية ستعيد مجدداً لبنان إلى دائرة الضوء الأوروبية، ولا سيما أن لبنان وُعد بمساعدات من أجل ضبط تهريب اللاجئين عبر أراضيه، لكن الأمر حينها كان يتعلق بالنازحين السوريين، فيما أن اللبنانيين هم مَن تحولوا طالبي لجوء، ليس هرباً من حرب عسكرية، بل من معاناة انعدام الحياة في أرضهم.