IMLebanon

ملف الترسيم… أفخاخ بالجملة نُصبت للبنان؟

كتبت إيفا أبي حيدر في “الجمهورية”:

بدأ العمل على إنجاز اتفاقية لترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل جدياً منذ نحو العامين من خلال المفاوضات غير المباشرة التي كانت تعقد في الناقورة، يومها كان يقود التفاوض من الجانب اللبناني فريق من الخبراء التقنيين والفنيين ليتحول لاحقاً التفاوض سياسياً بامتياز، استسهل خلاله إسقاط حقوق مشروعة للبنان.

لا يختلف اثنان على انّ ملف ترسيم الحدود البحرية يُدار بكثير من الغموض، فكل المعلومات المتناقلة حوله ما هي الا معطيات صحافية لا يمكن البناء عليها لتقييمها، اما المعنيون فلا يكفّون عن نشر الايجابية والايحاء بقرب التوصل الى اتفاق بين الطرفين، الا ان التنبّه من بعض الافخاخ ضروري خصوصا ان الملف يُدار بالسياسة وليس من قبل خبراء فنيين وتقنيين وقانونيين. فما هي الايجابيات التي يتم الحديث عنها؟ وهل اتضحت معالمها؟ وما هي المحاذير التي يجب على لبنان التنبّه اليها؟

يؤكد خبير اقتصاديات النفط والغاز فادي جواد لـ»الجمهورية» ان لا ايجابيات في ملف الترسيم، لا سيما بعد زيارة الوسيط الأميركي في ملف ترسيم الحدود البحرية آموس هوكشتاين الأخيرة الى بيروت اي منذ نحو 10 ايام حاملاً في جعبته 3 مطالب اسرائيلية كانت حتى الأمس القريب غير مرئية وغير معلنة حتى خلال الجلسات السبع للمفاوضات غير المباشرة التي انعقدت بين الجانبين على مدى عامين.

واعتبر ان الهدف منها تمييع موضوع الترسيم وتأخير البت به بسبب انشغال الجانب الاسرائيلي بالانتخابات وربما أجندات مخفية.

وأسِف جواد لأنّ كل هذه التنازلات مطلوبة من لبنان رغم ما سبق ان قدمه من تنازل عن الخط 29 الذي هو حق قانوني له.

أما المطالب الاسرائيلية المستجدة فهي غير منطقية وكانت مفاجئة للجانب اللبناني، وهي:

– طلب الجانب الاسرائيلي الاستحواذ على نقطة B1 التي تقع في رأس الناقورة. وتعزي اسرائيل السبب الى كونها هضبة مشرفة على الاراضي الفلسطينية حيث يمكن من خلالها رؤية مرفأ حيفا، وهي تعتبر ان هذه النقطة مهمة جدا لأسباب أمنية لذا لا يمكن تركها مع الجانب اللبناني مع العلم انه قانونياً، واستنادا الى الخرائط، هي تقع ضمن حدود لبنان.

– تراجع لبنان 500 متر عن نقطة الانطلاق البحرية نحو العمق اللبناني باتجاه الشمال، وهذا المطلب غير مقبول لأنه يعدّ تنازلا جديدا من قبل لبنان لمساحة برية وبحرية للجانب الاسرائيلي وهو غير مقبول بتاتاً.

– العوامات البحرية، وهو امر مستجد نبت فجأة بحيث تطالب اسرائيل بأن تكون الطفافات البحرية نقطة ترسيم. ونبّه جواد الى ان قبول لبنان بهذا المطلب هو اعتراف بالخط رقم 1، لافتا الى ان ما تحاول اسرائيل فعله اليوم هو اللعب بلبنان تماماً مثلما لعبت مع الجانب المصري منذ اعوام، إذ بعدما تنازلت للجانب المصري عن عدد من البنود طالبت فجأة وبعد مضي نحو 3 ثلاث سنوات بالتراجع بضعة امتار براً، الا ان ما كان يجهله الجانب المصري انّ هذا التراجع سينعكس تراجعا أكثر من مُضاعف بحراً لأنها تأخذ شكل V، وهذا التنازل البري خسّر المصريين نحو 40 الف كلم2 بحراً، شَكّلت لاحقاً حقول «تيتان» و»تمار» و»اتينا»، وكله بسبب خطأ تقني وفني.

وأعرب جواد عن خشيته من ان يقع لبنان بالخطأ نفسه لأنه يسير بالتفاوض من دون وفد تقني وفني، فرئيس الوفد اللبناني التقني العسكري المفاوض بسام ياسين في منزله، كذلك اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي والسيد نجيب مسيحي الذي يقطن راهناً في جنيف وهو الأبرع في الترسيم. بينما من يتولى التفاوض اليوم هم سياسيون لا شأن لهم بالملف لا قانونيا ولا فنيا ولا تقنيا…

وأكد جواد انّ الجانب اللبناني المفاوض سيرتكب بالتأكيد اخطاء تقنية وفنية ستتضح معالمها في المستقبل بسبب افتقاره للخبراء والقانونيين، وليس بعيدا فقط ارتكب لبنان خطأ حين جرى ترسيم الحدود البحرية مع قبرص عام 2011 عندما انطلق في الترسيم البحري من داخل البحر بدلاً من بدء الترسيم من الشاطئ استنادا الى قانون البحار. ولاحقاً استغلت اسرائيل هذا الترسيم الخاطئ لتطالب بالترسيم انطلاقاً من الخط رقم 1، قبل ان يعود لبنان عن خطئه ويستند الى خرائط الجيش.

المساحات البحرية والاخطاء الشائعة

ورغم الاجواء التفاؤلية التي يبثّها السياسيون عن قرب التوقيع على اتفاقية لترسيم الحدود، يؤكد جواد ان لبنان هو الخاسر الاكبر في الترسيم لأنه لو تم اعتماد النقاط البرية التي جرى ترسيمها عام 1923 برعاية الامم المتحدة لكان لبنان ربح 5000 كلم2 في البحر اي حوالى نصف مساحة لبنان، ولكان حَقلا تمار وكاريش للبنان 100% الا ان الاخطاء المتكررة في الترسيم أوصلتنا الى التنازل عن الخط 29 وراهناً يتم التفاوض انطلاقاً من الخط 23. هذا التنازل خسّر لبنان مساحة تقدّر بنحو 1000 كلم2 في البحر. أما اذا سار لبنان بمطالب الجانب الاسرائيلي، اي اعتماد الطفافات البحرية والتنازل عن النقطة b1 وانطلقنا بالترسيم من الخط رقم 1، يكون لبنان قد خسر نحو 2290 كلم2. وأوضح انه ما بين الخط 1 والخط 23 هناك 1430 كلم2 وفي وسطهما الخط هوف، وهو عبارة عن 860 كلم2، اما لو سار لبنان بالخط 29 لكان حصل على 2290 كلم2 في الترسيم.

وردا على سؤال عمّا يُشاع ان توتال ستقتطع حصة لاسرائيل من حقل قانا، قال جواد: بمجرد اعطاء توتال حصة لاسرائيل من حقل قانا (حتى لو من حصة توتال) سيتحول حقل قانا الى حقل مشترك. والمُستهجن في الموضوع انه وفق معطيات الترسيم المتوفرة هناك اتفاق ان يكون حقل قانا لبنانياً 100% تماماً، كما تم الاتفاق على ان حقل كاريش هو اسرائيلي 100%، اما تَقاسمه مع اسرائيل ولو من خلال حصة توتال فهذا خرق للاتفاق لا بل هو بمثابة خوة يخشى ان تصبح عرفاً لأي شركة تدخل في البلوكات المطلة على اسرائيل اي 8 و9 و10 لتفاوضها اسرائيل من تحت الطاولة كنوع من الخوّات، وهو إخلال بالعقد الذي سيوقع بين الجانبين.