IMLebanon

ترسيم الحدود على وقع مصالح إيران وإسرائيل

كتب أمين عيسى في “الجمهورية”:

ليست مصادفة أن يتوصّل كل من لبنان وإسرائيل برعاية أميركية-أمميّة إلى تحديد «المنطقة الاقتصادية الخالصة» البحريّة للدولتين مع انتخاب رئيس الجمهوريّة العراقيّة وتعيين رئيس لحكومتها. ففي الحالتين، بعد سنوات في لبنان وأشهر في العراق من المماطلة والتأزّم، أفضت حرب روسيا على أوكرانيا، وما نجم عنها من جفاف إمدادات الغاز إلى أوروبا إلى تفاهم ثلاثي الأطراف: أميركي-أوروبي، إيراني، إسرائيلي. ومن الواضح اليوم أنّ الخلافات الجوهريّة بين هذه الأقطاب الثلاثة، ومن بينها الملف النووي، لا تمنع التفاهمات الجانبيّة عندما تقتضي ذلك مصلحة الأفرقاء.

فالفريق الأميركي-الأوروبي كسب في حوض البحر الأبيض المتوسط، من مصر إلى إسرائيل إلى لبنان وتركيا، مخزونًا من الغاز وطرق إمدادات جديدة إلى أوروبا.

إسرائيل، من جهتها، حصلت على دفعة لاقتصادها وفترة هدوء عسكري مع «حزب الله» سمحت به إيران، ودعم إضافي لأمنها من قِبل الولايات المتحدة تجلّى في وضوح بوثيقة «استراتيجيّة الأمن القومي» الأميركيّة الأخيرة.

أمّا إيران فحصلت على حلّ للأزمة الرئاسيّة والحكوميّة في العراق بانتخاب رئيس للجمهوريّة وتعيين رئيس للوزراء، إن لم يكونا مرتهنين كليًا لها، فهما بالحدّ الأدنى مدعومان من الأحزاب الشيعيّة الموالية لها. وهنا تجدر الإشارة إلى أهمّية هذا الإنجاز، كون التركيبة السياسيّة في العراق بالنسبة الى إيران هي بأهمّية، لا بل أهم من الاتّفاق النووي. فالعراق ذو غالبيّة شيعيّة، والدولتان تتشاركان وتتنافسان على المرجعيّة الدينيّة. وخروج العراق عن السيطرة الإيرانيّة وتمكّنه من إقامة دولة ديموقراطيّة، يُعتبر بالنسبة الى إيران نموذجًا للحكم تخشى انتقال عدواه إلى داخل حدودها، على غرار خشية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من عدوى الديموقراطية الناشئة في أوكرانيا، فقرّر تدميرها.

ومن هنا ننطلق إلى الأحداث الجارية في إيران وإسرائيل، حيث حسابات حقل الاتفاقات الدوليّة يختلف عن حقل البيادر الداخليّة. وإن كانت انتهازيّة الحكومتين الإيرانيّة والاسرائيليّة توصّلت إلى اتفاق يخدم مصالحهما، لكنّهما لا تزالان تتجاهلان أنّ الزلزال لم يأتِ من الخارج بل من الداخل.

في إيران تتقلّص المسافات الزمنيّة بين موجة اعتراض وأخرى. الأولى الضخمة كانت عام 2009، ومن ثم في الأعوام 2017 إلى 2020 من دون انقطاع، وآخرها خلال هذا العام. وإذا كانت الأولى دفاعًا عن الإصلاحيّين داخل النظام مثل مير حسين موسوي والشيخ مهدي كروبي، فلم توفّر الاحتجاجات المتتالية الرئيس الشيخ حسن روحاني الإصلاحي، إلى أن تخلّت كليًا عنهم. واليوم لم تعد تقتصر الاحتجاجات على المدن والطبقة الوسطى وطلاب الجامعات، بل وصلت إلى الأرياف وموظفي القطاع العام والفقراء أهمّ داعمي النظام. وهذا العام نشهد ظاهرة انتفاضة النساء، وهي أكثر من الاحتجاج على اعتقال مهسا أميني ووفاتها في ظروف غامضة داخل السجن، وأبعد من اقتصارها على اعتراض سياسي، إنّما تشكّل رفضًا لنمط حياة ضاق ذرعًا به الإيرانيّون، ورمزيّته إلزامية الحجاب. اللافت هنا أنّنا لسنا في دولة علمانيّة لا تدين الإلحاد لا بل على العكس دولة دينيّة شعبها شديد الإيمان. فالاعتراض إذًا هو على عقيدة مفروضة بالقوّة تختلف مع المقاربة الإيمانيّة لمعظم الإيرانيّين.

أمّا في إسرائيل، فمنذ أشهر عدّة تتفاقم وتيرة عمليات المقاومة ضدّ الإسرائيليّين، تارة سلميًا وطورًا عسكريًا. ولا تزال إسرائيل ترفض فكرة «حل الدولتين» وتعتقد خاطئة أنّ بعض الترتيبات الاقتصادية ستدفع الفلسطينيّين إلى التخلّي عن حقوقهم السياسيّة البديهيّة، وكل ذلك بالتزامن مع صعود اليمين الإسرائيلي القومي الديني العنصري. والملفت أيضًا في إسرائيل أنّ المقاومة الحاليّة هي من فعل مجموعات مستقلة عن السلطة الفلسطينيّة وحركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» (ولو حاولوا ثلاثتهم ادّعاء أبوّتها). وإن كان بعض المقاومين سابقًا يناضلون في هذه «الإطارات» الثلاثة، إنّما بيانات المجموعة المقاومة الأبرز اليوم «عرين الأسود» تفتقد كلّيًا للأدبيات القوميّة والدينيّة المعتادة للقوى الثلاث المذكورة آنفًا.

ما هو مصير حساب البيدر في إيران وإسرائيل؟

من الصعب جدًا التنبّؤ، لكن من المؤكّد أنّ شخصيّة المحتجّين وأهدافهم في إيران هي غير مسبوقة؛ وكذلك بالنسبة إلى المقاومين الفلسطينيّين. إنّه من الصعب تقدير مدى إرباك السلطات الإيرانيّة نظرًا للتعتيم المطلق هناك. لكنّ تاريخ إيران الحديث شهد مفاجآت وثورات ضدّ الاستبداد، من الثورة الدستورية عام 1905 وانتخاب محمد مصدق رئيسًا للوزراء عام 1951 والثورة الاسلاميّة عام 1979.

في إسرائيل، وفي مقابلة أُجريت منذ نحو شهر مع خمسة رؤساء سابقين لأركان الجيش، من بينهم رئيس الوزراء السابق إيهود باراك ووزير الدفاع بيني غانتس، يؤكّد هؤلاء الجنرالات خطورة المرحلة الراهنة، وأنّ الخطر الوجودي على إسرائيل اليوم ليس النووي الإيراني أو «حزب الله» أو «حماس»، إنّما تفكّك المجتمع الإسرائيلي. هذا التفكّك بين العلمانيّين والمتديّنين، اليسار واليمين، يبقى محوره الأساس الخلاف، وبالتساوي، على مقاربة القضيّة الفلسطينيّة (حل الدولتين أو استمرار الاحتلال) وعلى هويّة هذه الدولة (يهوديّة هويّة الدولة أو دولة يتساوى فيها جميع سكّانها).

في عصر العولمة وتشابك المصالح، ورغم كل الاتفاقات الدولية والإقليميّة، تبقى القضيّة الفلسطينيّة حجر العثرة أمام دولة إسرائيل لتصبح دولة «طبيعيّة». ونظرة قسمٍ متنامٍ من الرأي العام العالمي، وخصوصًا الغربي الداعم لها، الذي بدأ يرى فيها دولة عنصريّة. وحتى في الداخل الإسرائيلي، إنّ هذه الصفة تربك المجتمع لا بل تضعه في حالة انفصام في الشخصيّة، بين الحالة الديموقراطيّة والمساواة بين جميع سكّانها، وحالة العنصريّة تجاه الفلسطينيّين.