IMLebanon

“عين الحلوة” والرسائل السياسية

كتب جوني منيّر في “الجمهورية”:

توقّفَ إطلاق النار داخل مخيم عين الحلوة، لكن هذا لا يعني ان القتال قد لا يتجدد في ظل استمرار التحصينات والتعزيزات الجارية، والأهم الاستثمار السياسي الداخلي والاقليمي لما حصل. صحيح انه حتى الآن لا تمتلك الجهات اللبنانية والدولية اي قراءة سياسية واضحة لكيفية اندلاع الاشتباكات والمقصود هنا الخلفيات والاهداف السياسية، الا انه بات ثابتاً لدى الجميع بأن تداعيات اشتباكات عين الحلوة والخارطة الميدانية الجديدة يجري العمل على توظيفها سياسياً وامنياً في اطار الصراع الكبير الحاصل في المنطقة، والذي يشكل لبنان احدى ساحاته.

من هنا دعوة السعودية لمواطنيها في لبنان، والتي تلتها مواقف مشابهة لدول خليجية اخرى وجميع هذه المواقف وجّهت أصابع حذرها باتجاه مخيم عين الحلوة ولو من دون تسميته بالاسم. اغلب الظن انّ السعودية أبدت قلقها من الوضع في عين الحلوة من زاويتين، الاولى: ما تردد عن تسلل الامارات التي تحظى بعلاقات باردة جدا في هذه الفترة مع السعودية، الى داخل حركة فتح في لبنان والمحسوبة سياسياً على السعودية، من خلال المسؤول الفلسطيني محمد دحلان الذي تواصل مع العديد من كوادر فتح، مثل اللينو وغيره.

والثانية وهي الاهم والاخطر، ما تردد حول تزويد حركتي حماس والجهاد الاسلامي بالذخائر والسلاح للمجموعات الاسلامية التي كانت تقاتل برضى «حزب الله» او على الاقل بـ«قَبّة باط» منه. والمعروف ان المخيم ينقسم وفق خارطة النفوذ الى حوالى 60% تحت سيطرة فتح في مقابل حوالى 40% للفصائل والمجموعات الاخرى. وصحيح ان هذه الخارطة لم تشهد تبدلات ميدانية فعلية خلال القتال، لكن التحدي الذي واجهته حركة فتح من دون ان تمتلك قدرة الحسم وسط تسجيل حالات فوضى وتشرذم، أدى لضربة معنوية لها. وفي المقابل فإن المعارك جعلت من المنطقة الخارجة من سلطة فتح اكثر تحصيناً بوجه فتح ومن خلالها السلطة اللبنانية. واستطراداً، فإن تجمع الاسلاميين ومعهم خليط لإرهابيين معروفين ولعناصر سورية خطيرة، تفتح الباب امام التساؤل ما اذا كان هنالك من يريد الاستثمار في اعمال امنية بنكهة اقليمية على الساحة اللبنانية.

وما ضاعف من هذه المخاوف ظهور بعض الاحداث والاشارات الامنية التي لا تبعث على الارتياح خصوصا ان مسرحها الساحة السنية، كمثل ظهور مسلحين فجراً في طرابلس يقومون بإطلاق النار للترهيب قبل ان يختفوا لاحقا، اضافة الى احداث اخرى في عكار.

في الواقع إن الساحات العربية التي شهدت صراع نفوذ خلال السنوات الماضية بين ايران والسعودية، تخضع في هذه المرحلة لصراع تعديل موازين القوى لتكريسها على مستوى السلطة، وهذه الساحات كما هو معروف هي: اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين. وهذه المرحلة القاسية من شد الحبال وضعت لها واشنطن عنوان اعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة او بمعنى آخر اعادة تكريس ترتيب جديد لتقاسم النفوذ والمصالح فيها. أما ايران، والتي كانت قد رفضت سابقاً ادراج ملف نفوذها على ساحات الشرق الاوسط الى جانب مفاوضاتها حول الملف النووي، فهي ترفض اي تقاسم جديد للنفوذ. وهي أوحت انها تريد انتزاع اعتراف دولي بهذا النفوذ من خلال ترجمته داخل أطر السلطة الشرعية، وهي ترفض اي تحجيم له. لذلك تصاعدت وتيرة التحرشات الايرانية بناقلات النفط في الخليج العربي بهدف احتجازها، والرسالة واضحة هنا وتتعلق بالمكاسب الاقتصادية التي تريدها ايران من ايرادات الممرات البحرية للنفط. ولذلك ارسلت واشنطن تعزيزاتها الجوية المتطورة وباشرت بتطبيق فكرة وضع جنود للمارينز في كل ناقلة نفط، بما يعني ان اي سعي جديد لاحتجاز ناقلة نفط سيؤدي حكماً الى صدام عسكري مع الجيش الاميركي. وفي المقابل اعلن الحرس الثوري عن تزويد بحريته بمسيرات وصواريخ بعيدة المدى، لكن عرض العضلات شيء والحرب شيء آخر.

ولذلك ايضا تجمدت مفاعيل المصالحة السعودية – الايرانية في اليمن مع سعي الحوثيين للامساك بمفاصل السلطة الامنية والعسكرية كشرط للسير بمفاوضات التسوية اليمنية.

وفي وقت أبدت فيه السعودية بأنها لن تسقط في فخ سياسة «الانهاك» التي تتقنها ايران والتي مارستها دائما في السابق، تحركت من جديد الجبهات العسكرية مع الاعلان عن هجوم مباغت للحوثيين جنوب اليمن في اول تحرك ميداني منذ فترة طويلة.

وفي شمال سوريا ارتفع مستوى التعاون الروسي – الايراني في مقابل تعزيزات اميركية وسعي لإقامة تعاون بين الاكراد والعشائر السنية وصولاً الى العراق لإقفال المنطقة بوجه المجموعات المتحالفة مع ايران. وهو ما يعني الاطباق على الطريق البرية التي تربط بين ايران ولبنان. ولذلك ايضا توقفت مسيرة التطبيع العربي مع دمشق وتبددت معها الاجواء التفاؤلية التي سادت، لتعلن دمشق على لسان وزير خارجيتها، خلال زيارته الى طهران، وجوب خروج القوات الاميركية من سوريا.

وعلى مستوى الساحة اللبنانية بدأت اشارات الضغط الاميركية تظهر مع رسالة لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس في ذكرى تفجير الرابع من آب. صحيح انه من الخطأ الخلط بين موقف صادر عن لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس والذي يجب وضعه في اطار الاشارة المعنوية، وبين قرار صادر عن الادارة الاميركية والذي يكون تنفيذياً، الا ان اعتقاد البعض بأن الموقف الصادر جاء تلبية لرسائل لبنانية هو اعتقاد سطحي وخاطئ. ما صدر يدخل في اطار البدء بضغوط ستكون تصاعدية خلال الاسابيع القادمة. والواضح ان العواصم الغربية ترى بأن «حزب الله» يعتمد سياسة «الانهاك» في لبنان لجعل معارضيه يقبلون في نهاية المطاف بالمؤتمر التأسيسي وانتاج صيغة سياسية «تشرعن» نفوذه الواسع، وذلك من خلال ترك الازمة الداخلية تتمادى ومن دون التوصل الى حل للازمة الرئاسية. وفي حركة مشابهة لتحرك الوضع الميداني في اليمن، وكذلك في شمال سوريا، فإن الاوساط المراقبة قرأت شيئاً مشابهاً في احداث مخيم عين الحلوة. اي تحضير المسرح اللبناني لرسائل امنية تسرّع في انضاج الظروف للوصول الى التسوية السياسية المطلوبة لناحية تعديل النظام اللبناني وايضا للتأثير اكثر في المعادلة الفلسطينية الداخلية. وبغض النظر عن صحة هذه القراءة السياسية من عدمها، فإنه من الواضح ان العواصم الغربية والخليجية على السواء والتي ترفض المساس بالدستور، ستعمل على رفع منسوب الضغط المقابل، والذي سيكون تصاعدياً هذه المرة. لكن ثمة عامل اقليمي جديد لا بد ان يتأثر به لبنان لأسباب عدة وهو العامل التركي، فمن السذاجة بمكان الاعتقاد بأن التموضع التركي الجديد والذي تجلى بوضوح خلال قمة دول الناتو سيبقى محصوراً ضمن حدود معينة. تكفي الاشارة الى التحضير الجاري لقمة رباعية ستجمع مصر واليونان وقبرص وتركيا. وهذه الفكرة هي للرئيس المصري الذي يبحث ايضا امكانية ضم تركيا الى منتدى غاز شرق المتوسط.

وتفضل مصر ان تنعقد القمة الرباعية والتي تضم اخصام تاريخيين لتركيا، بعد زيارة السيسي الى انقرة، والتي ستليها جولة لأردوغان تشمل ليبيا ودول اخرى في شمال افريقيا. وكذلك باشرت تركيا انفتاحاً على السلطة الفلسطينية لمسائل لها علاقة بملفاتها الشائكة مع اسرائيل. وما بين الغاز والسلطة الفلسطينية وسعي تركيا لأن تشكل عامل توازن مؤثر في لعبة اعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة، فإن لبنان يصبح على تماس مع المعادلة الجديدة الجاري رسمها، وبالتالي وسط هذا الصراع الحاصل.

عندها تصبح قراءة الوضع في عين الحلوة والرسائل الامنية الخاطفة التي تظهر بسرعة اكثر تفسيراً، خصوصا على مستوى الخلفيات السياسية.