IMLebanon

“عين الحلوة”: إغتيالات وحروب عبثية

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

يُشكّل مخيّم عين الحلوة اختصاراً لدولة فلسطينية في المنفى اللبناني، ولكنّه منذ العام 1991 يعيش في جوّ من تفلّت السلاح والفوضى وصراعات التنظيمات والحروب التي لا تنتهي، خصوصاً بين «حركة فتح» والحركات الإسلامية الكثيرة. ولن تكون الإشتباكات التي حصلت آخر تموز وأوائل آب آخرها. واللافت في الموضوع أنّ كل ذلك يحصل وكأنّه في دولة أخرى داخل لبنان. مسلحون وتنظيمات وقتلى وتحقيقات وتسويات في جزيرة أمنية يمكن أن تتمدّد خارج المخيم.
الوضع الأمني داخل مخيّم عين الحلوة يبقى مصدر قلق دائم. المخيّم الذي خرّج كثيرين من القيادات الفلسطينية وله تاريخ حافل في محطات كثيرة في الأحداث اللبنانية وفي الصراع مع إسرائيل، يتحوّل إلى عبء على القضية الفلسطينية وعلى الأمن في لبنان. والإشتباكات الأخيرة التي حصلت على مدى أيام بين «فتح» ومجموعات من الإسلاميين المتجمّعين من تنظيمات صغيرة متفرّقة، آخر تموز الماضي وأول آب الحالي، لم تنتهِ بعد. وهي ليست وليدة الساعة بل مرتبطة بسلسلة أحداث سابقة. ولذلك فإنّ اغتيال قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في صيدا العميد أبو أشرف العرموشي ليس إلّا حلقة من حلقات هذا الصراع وواحداً من اغتيالات كثيرة.

يوم السبت 4 آذار سادت حالة من التوتر مخيّم عين الحلوة على خلفية مقتل عضو حركة «فتح» وجهاز الأمن الوطني الفلسطيني محمود زبيدات. وشهد المخيم حالة استنفار عسكري محدود ومتبادل بين حركة «فتح» وجماعة «عصبة الأنصار» والتنظيمات المحسوبة عليها. طالبت حركة «فتح» بتسليم القاتل خالد جمال علاء الدين الملقب بـ»الخميني». وأحضرت عناصر تابعة لها من المخيّمات الأخرى في لبنان تحضيراً لعمل عسكري ضد «عصبة الأنصار». نتيجة تدخّل الجيش اللبناني وهيئة العمل الفلسطيني المشترك، التي تتمثّل فيها كل القوى الفلسطينية الوطنية والإسلامية، وافقت «عصبة الأنصار» على تسليم القاتل «الخميني» إلى القوة الفلسطينية المشتركة لتقوم بدورها بتسليمه إلى السلطات اللبنانية. ولكن المسألة لم تنتهِ عند هذا الحدّ حيث حاول شقيق زبيدات أن يثأر له بقتل عدد من عناصر «جند الشام» الذين ردّوا على العملية باغتيال العرموشي.

ليست هذه الحادثة الأولى بين حركة «فتح» والجماعات الإسلامية. فالمخيم ينقسم عملياً إلى أحياء، وكل حيّ له عائلاته وعاداته وتقاليده وتنظيماته المسلحة، ويعكس صورة الانقسامات الفلسطينية بكل أشكالها، بما فيها عمليات الثأر التي تضعه دائماً على فوهة بركان، لذلك يشكّل المخيّم دولة فلسطينية في المنفى، وفد إليه اللاجئون من قرى فلسطينية عدة أعطته خصوصياتها التي حافظت عليها. إضافة إلى هذا التقسيم القروي ينقسم المخيم إلى مربعات أمنية وإلى تنظيمات مسلحة عريقة أو حديثة الولادة، معظمها من الإسلاميين واللاجئين إلى المخيم.

أنشئ المخيم عام 1948 من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بهدف إيواء نحو 15 ألف لاجئ فلسطيني هُجِّروا من قرى الجليل في شمال فلسطين إثر قيام دولة إسرائيل. إلا أن المخيّم استمرّ باستقبال لاجئين فلسطينيين من مخيمات أخرى خلال الحرب الأهلية اللبنانية، إضافة إلى لاجئي عام 1967 بعد النكسة، ليصبح المخيم الأكبر في لبنان من حيث عدد السكان والمساحة. ووفد إليه في مرحلة الحرب في سوريا نازحون من مخيم اليرموك قرب دمشق. وتعتبر حركة «فتح» التنظيم الأكبر في المخيّم، ولكنّها فقدت مع الوقت السيطرة الكاملة عليه خصوصاً بعد صعود حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي»، ورعايتهما أكثر من تنظيم أو فصيل أصولي. حتى حركة «فتح» نفسها شهدت ولا تزال انقسامات داخلية أسهمت في إضعافها بالتالي تفلّت الوضع في المخيّم نتيجة عدم وجود أيّ قوة موحّدة قادرة على السيطرة عليه، حتى القوات الفلسطينية المشتركة الموحّدة أو الأمن الوطني الفلسطيني.

منذ عام 1991 طوّق الجيش اللبناني المخيم، الذي تحوّل إلى ملجأ للمسلحين الفارّين من وجه العدالة. لجأ إليه مثلاً منفذو عملية اغتيال الشيخ نزار الحلبي، رئيس «جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» المدعومة من الاستخبارات السورية في وجه «الجماعة الإسلامية»، في عام 1996. وبعدما انكشفت العملية وأوقف عدد من المشتركين فيها، تبيّن أنهم ينتمون إلى «عصبة الأنصار» التي يتزعّمها الشيخ أبومحجن، أحمد عبد الكريم السعدي، الذي توارى ولم تنجح محاولات اعتقاله بعد أن تسرّب قصداً أنّه خرج من المخيم. وبعد أحداث الضنية في شمال لبنان في مطلع الألفية الثانية بين الجيش اللبناني والمجموعات الأصولية، وبعد سيطرة الجيش اللبناني على الوضع، تمكن مسلحون كثيرون من التنظيمات الأصولية من الانتقال إلى مخيّم عين الحلوة ليأخذوا اسم «جماعة الضنية».

رُبِط نشوء قوة التنظيمات الأصولية في المخيّم أولاً بنشوء تنظيم «القاعدة» وبالعلاقة مع أسامة بن لادن، خصوصاً أنّ معلومات كانت أشارت إلى ارتباط «عصبة الأنصار» به في قضية اغتيال الحلبي، إضافة إلى اتهام عدد من القيادات الفتحاوية في المخيّم بتأمين الغطاء للأصوليين، خصوصا أن الحركة كانت تضم من الأساس إسلاميين. خلال هذه المرحلة كان بدأ تمدد حركتي «الجهاد الإسلامي» و»حماس» اللتين دخلتا بقوّة إلى المخيّم على حساب الترهّل الذي أصاب «فتح» بعد عودة عدد كبير من مقاتليها إلى الضفة الغربية بعد عودة عرفات و»اتفاقات أوسلو».

هشام الشريدي وولداه

بدايات الصراع على السيطرة على المخيّم ومنافسة «فتح» فيه بدأت منذ بداية التسعينات. أبرز الأسماء في لائحة صانعي هذا الصراع وضحاياه كان الشيخ هشام الشريدي الذي أسّس «عصبة الأنصار» ودعم انتفاضة ضد «فتح» عام 1991 واتُّهِم بأنّه كان يتلقى مساعدات من «حزب الله» وإيران. وقد اغتيل في 16 كانون الأول من ذلك العام ليتولّى بعده مسؤولية العصبة أبو محجن. أمّا ولداه عبدالله ومحمد فقد انشقّا عن العصبة وأسّسا «عصبة النور» ولكنّ عبدالله اغتيل في أيار 2003 وقُتِل محمد في شباط 2004 واتُّهِمت «فتح» بقتلهما، خصوصا بعد إعلان أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية وأمين سر حركة فتح وقتها سلطان أبو العينين، اتخاذ قرار بهذا المعنى وكشفه أن السلاح الفلسطيني في المخيّمات يقرّر مصيره الرئيس ياسر عرفات وحده.

«حركة الشباب المسلم»

بعد اختفاء أبو محجن آلت القيادة إلى شقيقه أبو طارق وعادت بعد وفاة الأخير إلى ابن أبو محجن. واللافت أنّ العصبة باتت تتمتع بحضور بارز في المخيم وخرجت إلى العمل السياسي وحاولت أن تلعب أدواراً توفيقية بين «فتح» والتنظيمات الإسلامية الأخرى التي تجمعت تحت اسم «حركة الشباب المسلم». هذه الحركة نشأت من خلال دمج تنظيم «جند الشام» مع بقايا «فتح الإسلام» الذين لجأوا إلى المخيّم بعد أحداث نهر البارد عام 2007. وكان بلال بدر وأسامة الشهابي من أبرز الأسماء التي قيل أنها تقود هذه الحركة. عام 2016 خاضت فتح معركة ضد هذا التنطيم انتهت بالإعلان عن أن بلال بدر غادر المخيّم. وفي إخراج إخباري لهذه التسوية أعلن بدر أنّه أصبح في منطقة إدلب من دون التأكيد أنّه خرج من المخيّم فعلياً لتتكرّر معه تجربة أبو محجن. وهو كان متهماً باغتيال القيادي في فتح العميد طلال البلاونة في 25 تموز 2015. وقد تزامن خبر خروجه مع خبر حلّ هذه الحركة ولكن يتبيّن من خلال مجريات الأحداث الأخيرة أنّها لم تحلّ وأن بدر لم يخرج.

جمال سليمان و»أنصار الله»

ثمة اسم آخر برز في الصراع بين «فتح» والإسلاميين، هو جمال سليمان الذي كان في «فتح» وانشقّ عنها منذ العام 1990 وأسّس ما سمي جماعة «أنصار الله» وقيل إنّه كان مدعوماً من «حزب الله» وإيران. بعد 18 عاماً على انشقاقه وعمله ضد «فتح» خاضت الحركة معركة قوية ضدّه في 8 تشرين الثاني 2018 في مخيّم المية ومية القريب من عين الحلوة، وقد انتهت بالإعلان أيضاً عن خروجه من المخيّم ولجوئه إلى سوريا بعد توسط حركة «أمل» و»حزب الله» وموافقة الجيش اللبناني، وعن أنّه استقرّ في مخيّم اليرموك قرب دمشق. وهو كان اتُّهِم باغتيال أحد قادة «فتح» العقيد راسم الغول في 19 آب 1987 ووُضِع هذا الإغتيال من ضمن استهداف النظام السوري للقيادات الفلسطينية المؤيّدة لعرفات والعائدة إلى لبنان في ذلك الوقت.

كمال مدحت والإغتيال الغامض

مسلسل الإغتيالات لم تكن له نهاية. في 23 آذار 2009 اغتيل القيادي في «فتح» كمال مدحت المعروف بكمال ناجي عند خروجه من مخيّم المية ومية بعد مشاركته في واجب عزاء. عملية الإغتيال حصلت في المنطقة الفاصلة بين حاجز الأمن الفلسطيني عند مدخل المخيّم وحاجز الجيش اللبناني، وتمّت بواسطة سيارة مفخّخة ذكّرت بعمليات اغتيال عدد من قادة قوى 14 آذار، قبلها وبعدها، كجبران تويني ووليد عيدو وأنطوان غانم ومحمد شطح ووسام الحسن… كان مدحت يمثّل الرجل الأبرز على الصعيد الأمني بين القيادات الفسطينية التي عادت إلى لبنان بعد العام 1985، بينما مثّل سلطان أبو العينين القيادة السياسية والعسكرية. اغتيال مدحت مثّل ضربة قوية لـ»فتح» بحيث لم تصل التحقيقات إلى نتيجة.

بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في العام 2000 برز تخوّف لدى «حزب الله» من «فتح» نتيجة الخلاف مع عرفات حول موضوع السلام مع إسرائيل. ولذلك دعم الحزب حركتي «الجهاد» و»حماس» واتهم بأنه قدم الدعم لبعض التنظيمات الأصولية الصغيرة داخل المخيّم، ولكن بعد بدء الحرب في سوريا ووقوف «حماس» ضد النظام السوري حاول الحزب التقرّب من «فتح». كان هناك خوف لدى الحزب من أن يُستخدم السلاح الفلسطيني ضدّه في لبنان نتيجة عاملين: المواجهة التي خاضها هذا السلاح في مخيم اليرموك في سوريا ضد النظام، والانتماء المذهبي السنّي لأكثرية الفلسطينيين، هذا العامل ظهر مثلاً خلال الحرب التي حصلت بين الجيش اللبناني وجماعة الشيخ أحمد الأسير في منطقة عبرا في عام 2013، وأدّت إلى سيطرة الجيش اللبناني على مربّعه الأمني وإلى لجوئه إلى المخيم.

على رغم أنّ الجيش الذي يطوق المخيم من كل الجهات ويقيم حواجز على جميع مداخله ضغط أمنياً لتسليمه عدداً من المطلوبين، من بينهم مثلاً بديع حمادة الذي قَتَل ثلاثة عسكريين عام 2002، فإنّه لم يفعل ذلك لتسليم الأسير. دائماً هناك مانع كبير يحول دون ذلك، وهو التخوّف من حصول اشتباكات كبيرة تربك الوضع الأمني. وخوف «حزب الله» من السلاح الفلسطيني برز بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واتهام الحزب بالعملية واحتقان الصراع السني – الشيعي في لبنان، والتحذير من فتنة مذهبية يكون السلاح الفلسطيني وقوداً لها، خصوصاً أن عمليات انتحارية كثيرة انطلقت مع منفذّيها من مخيم عين الحلوة، ومن مخيم الرشيدية، في عامي 2012 و2013 إثر مشاركة «حزب الله» في الحرب في سوريا واحتلاله مدينة القصير في القلمون السوري وتهجير أهاليها، ولكن وبشكل دائم ومستمرّ استمرّ التمسّك الفلسطيني الرسمي بعدم العودة إلى استخدام السلاح في لبنان، وعدم الاستعداد لتوظيف هذا السلاح في خدمة أي طرف داخلي.

صحيح أنّ هذا السلاح لا يخرج من المخيم، ولكنه بتفلّته يجعل منه مكاناً غير آمن. وصحيح أنّ «فتح» ضعفت وتعاني انقسامات وضعفاً في القيادة إلا أنّ «حماس» أيضاً باتت تعاني اليوم من خلافات في القيادة بين الداخل والخارج وبين من يريد أن يعود إلى التنسيق مع النظام السوري وإيران و»حزب الله» ومن لا يريد. وصحيح أيضاً أنّ الصراع بين السلطة الفلسطينية وبين حماس داخل الضفة الغربية وقطاع غزة يجد انعكاساته في مخيمات لبنان، خصوصاً مع الإعلان عن استراتيجية وحدة الساحات التي أعلنها «حزب الله» باسم محور الممانعة، لذلك تبدو معركة الحسم في مخيم عين الحلوة لا مفر منها. محور الممانعة يريد أن يثبّت القوى التي يدعمها داخل المخيم. و»فتح» تريد أن تؤكد سيطرتها. ولا يمكن الحسم إلا في الميدان.