IMLebanon

لماذا علينا أن نقبلَكم لبنانيّين

كتب الدكتور جورج شبلي:

قبلَ الخَوضِ في ما تضمَّنَه العنوان، ينبغي أن نذكّرَ بمفهوم المواطنة، ولا سيّما أنّ الوطنَ يمرُّ اليوم، وبما لا يقبلُ الشكّ، بلحظةٍ تاريخيةٍ مفصليّة، أريدُ أن أُطلقَ عليها تسميةَ اللحظةِ التأسيسيّة الفارِقَة، أو جسرَ العبورِ الى الوطن، وقوامُها ما وردَ، سابقاً، على لسانِ واحدٍ من كِبارِنا الذي سألَ :” أيّ لبنان نريد ؟ “. ونعودُ الى تكرارِ هذا السؤال، لأنّ البلادَ تتعثّرُ برهاناتٍ إيديولوجيةٍ تُحدثُ انقساماً أفقياً وعمودياً، في مسألةِ الخطّ الإستراتيجيّ لمستقبلِ لبنان. بالإضافةِ الى أنّ الواقعَ المشهودَ يُثبِتُ أنّ ما وردَ في وثيقةِ ميشال شيحا ( لبنان في شخصيته وحضوره )، قد فُرِّغَ، تماماً، من محتواه، في موضوعِ الإنسجام، والتّناسقِ بين مكوّناتِ الوطن، وتمَّ اغتيالُ ما سُمِّيَ بالأمّة اللبنانية، وبالفكر الدّستوريّ النَّهضوي الذي يؤكّدُ على العلاقةِ الإلزاميّةِ بين المواطنِ والوطن، استناداً الى مبدأ المواطنة.

إنّ المواطنةَ، في منطوقِ القاموس السياسيّ الدّولي، وفي قناعتِنا، على مدى ارتباطنا بهذه الأرضِ، يمكنُ تلخيصُها بكلمتَين اثنتَين هما : الإنتماء والولاء، وبدونِهما تَفرضُ أزمةٌ حادةٌ نفسَها، هي أزمةُ الكيانيّةِ أو وجود الوطن. إنّ بانوراميّةَ الشّرائحِ المتواجدة على سطحِ أرضِ لبنان، والمحكومِ بعضُها بنظامِ المِلَل، وبتراكماتِ التعصّبِ، وبتراجيديا الارتباطِ بالخارج، أدّت الى تَراجعِ مؤشّرِ التّعايش، بل التّساكُن، والى تفاقمِ التّناقضاتِ حولَ الحالةِ اللبنانيّة، أي الشّعور الحادّ بالإنتماءِ والولاء.

إنّ الإنتماءَ والولاءَ يشكّلانِ محورَ الفضائلِ الوطنيّةِ كافةً، وهما يفرضانِ الواجبَ الوطنيّ، من هنا، ينبغي أن يتلازما، فالانتماءُ الى الوطن لا يعني، بتاتاً، اقتناءَ الهويّة، فالكثيرون مِمَّن يحملون هذه الوثيقةَ لم تتولَّدْ عندَهم، بعدُ، ثقافةُ التّرابط، ولم يَبدُ في سلوكِهم ما يترجمُ مفهومَ الوطنيّةِ، من مناصرةٍ للبلاد، وتأييدٍ لسيادتِها، ودفاعٍ عن حياضِها، واعتزازٍ بالانتماءِ اليها، ومشاركةٍ في رقيِّها وتقدّمِها، وتحصينِها من كلِّ شرّ. وهذا يعني أنّ حاملَ الهويّةِ، صُوِريّاً، ليس، أبداً، لبنانيّاً.

أمّا الولاءُ وهو الوفاءُ للوطنِ، فيتّصفُ بالأحاديّة، بمعنى أن يكونَ مُطلَقاً أو لا يكون. والحالُ أنّ كثيرينَ معروفين، عندَنا، يلتزمون بولاءاتٍ رديفةٍ، خاصةً لبلدانٍ وراءَ الحدود، ما يهدمُ الأسسَ التي تُبنى عليها منظومةُ الولاء بالذّات. إنّ مُتَصَدّعي الانتماءِ الوطني، هؤلاء، يشكّلُ سلوكُهم خطراً من شأنه أن يدمّرَ مكوّناتِ الوطن، ويشوّهَ صورةَ الدولة، ويغتالَ القِيَمَ الجامعة في كيانٍ حرٍّ، وآمِنٍ، وسيّد. إنّ ذوي الإحساسِ الوطنيِّ الهشّ، لا يمتّون للوطنِ بِصِلة، لأنهم استبدلوا ولاءَهم للبنانَ بالولاءِ لكياناتٍ مشبوهةٍ تحملُ مشاريعَ تدميريّةً، من بنودِها تبديلُ صيغةِ البلد، وتوجّهاتِهِ، ونظامِه، وصورتِه الحضاريّة.

إنّنا نعبرُ، اليوم، زمنَ خوفِ الكيانِ على نفسِه، استناداً الى تشويهِ ثقافةِ الانتماءِ والولاء. فبدلاً من أن تُطلِقَ الحناجرُ نشيدَ البلاد بافتخار، وترتبطُ به كالإيمان، نجدُ البعضَ ينحرُ الوطنَ بالتبعيّةِ والارتهان، ويعملُ وكيلاً للخارجِ بنشرِ إيديولوجيّةٍ هجينة، وعقيدةٍ مستوردةٍ من أنطمةٍ بائدةٍ تفوحُ منها مَقابحُ القمعِ والظّلمِ والموت. من هنا، فالولاءُ، مع هذا البعض، صار فاقِدَ الرمزيّة، نفخَ فيه شيطانُ العمالة، وضجَّ في صداه الكِفر، وأصبحَ نكبةً تُجبرُنا على إعادةِ النّظرِ بعيدِ الجلاء.

إنّ انتهاكَ مفهوم الوطنيّة، بالطّعنِ الممقوتِ بالانتماءِ والولاء، هو اعتداءٌ أَرعنٌ على هويةِ الوطن، وهو ورمٌ مَرَضيٌّ يُخشى أن ينتفخَ، أكثرَ فأكثر، لتكونَ نتيجتُهُ انفجاراً مدوّياً لكيانِ لبنان. وإذا أردنا أن نطرحَ سؤالاً مركزياً عن الثّوابتِ الملازمةِ لوجودِ الوطن، وهي عجينةُ الماضي وخميرةُ المستقبل، فلن يكونَ إلّا عن مدى الإلتزامِ الأزليّ بشَرطَي الانتماء والولاء، ما يشكّلُ عمودَ الوطنِ، وحمايةَ البقاء، وسلامةَ المصير، من هنا، فالذين يوهمونَ الناسَ، فولكلوريّاً، بغيرتِهم الوطنيّة، وهم أَبعدُ ما يكونون عنها، ينبغي، استناداً الى الشَّرطَينِ المَذكورَين، سَحْبُ بطاقةِ الهويّةِ منهم، واتّخاذُ قرارٍ بإبعادِهم، لأنهم، في الواقعِ، ليسوا سوى زنادقةٍ يغتالونَ الوطن، ولا يستحقّونه.