IMLebanon

الحراك الرئاسي.. وحكاية “إبريق الزيت”

كتب حسين زلغوط في “اللواء”:

كان يفترض أن تسرّع الحرب على غزة، وما يجري من عدوان إسرائيلي على الجنوب اللبناني مسألة انتخاب رئيس للجمهورية بعد شغور كرسي الرئاسي من عام ونيّف، لكن ما حصل هو العكس فإن هذه الأحداث احتلت الصدارة لينكفئ الملف الرئاسي خطوات كبيرة الى الوراء، إلّا ما ندر من محاولات داخلية وخارجية خجولة جرت ولا تزال لكي لا يدخل هذا الاستحقاق في غياهب النسيان، بفعل ما يحوط به من انقسامات سياسية لبنانية، وتشابك مصالح دولية، حيث وفي كل مرة يجري فيها الحديث عن تقدما، أو إيجابيات في طريقها للظهور، سرعان ما يعود هذا الملف الى مربعه الأول، حتى صار هذا الموضوع أشبه بحكاية إبريق الزيت تماماً. ولمن لا يعرف هذه الحكاية التي تتطابق مع ما يجري من أخذ ورد حول انتخاب رئيس، يمكن سردها وباختصار على الشكل التالي: حكاية «إبريق الزيت» هي عبارة تحوّلت مثلاً في اللهجات المحكية، وتستخدم بكثرة في سوريا ولبنان للدلالة على حالة متكررة قد لا تنتهي، كمن يدور في حلقة مفرغة، لا يجد إلى كسرها والخروج منها سبيلاً.

وتقول الحكاية الأولى: كان لدى عائلة إبريق زيت لا عيب فيه سوى أنه قديم، فقرّروا التخلّص منه واستبداله بآخر جديد، لأنّ جيرانهم فعلوا ذلك بإبريقهم، فما كان منهم إلاّ أن كسروه. إلّا أنهم كلّما أتوا بإبريق جديد بعد ذلك، وجدوا أن الزيت يرشح منه، وظلّوا على هذه الحال يأتون بأباريق بلا طائل، نادمين على إبريقهم القديم.

أما الحكاية الثانية: فهي الأكثر شيوعاً، وهي طرفة أو أحجيّة تقوم على مناكفة الأطفال الذين يستعصي عليهم النوم، لحملهم على الاستسلام له، وغدت فيما بعد مثلاً يدلّ على التململ واستهلاك الوقت لتعجيز شخص ما، فنقول إذا ما استطال الحدث وصار مرهقاً ومزعجاً: «صار حكاية إبريق الزيت». وأساسها أن الجدّات أو الأمّهات كنّ يروين الحكايات للأطفال قبل النوم، إلّا أنّ بعضهم لا ينام مع انتهاء الحكاية، فتضطر الأم أو الجدة إلى اللجوء إلى محاولة لإضجار الأطفال الذين لا يغفلون بسرعة لتستنفذ طاقاتهم وقدراتهم على التحمّل حتّى يملّ الأطفال ويستسلموا للنوم.

فالواقع الرئاسي وما يجري حوله من زيارات لموفدين، أو تحركات داخلية لا يختلف كثيراً عن هذه الحكاية، فالمجلس النيابية عقد 13 جلسة انتخاب وبقيت النتيجة صفراً كون أن القوى السياسية تصلبت بمواقفها طوال المدى الزمني الذي استغرقته هذه الجلسات. ثم جاء الموفد الفرنسي، وكذلك القطري عدة مرات الى بيروت، مكررين المحاولات نفسها وبقيت محاولاتهم ايضا من دون جدوى، لأنه وكما يقول «ألبرت أينشتاين»: الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة. فالموفدون الدوليون الذين سعوا للمساعدة في انتخاب رئيس بقيت مقترحاتهم وأفكارهم هي.. هي وكانوا يتركون في نهاية الأمر القرار للبنانيين، متجاهلين أنه لو كان بقدرتهم اخذ القرار لما كان انتخاب الرئيس تأخر عن موعده الدستوري دقيقة واحدة.

الى أن اتفقت الدول الخمسة أميركا وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، على تأليف لجنة سميت «الخماسية» للمساعدة على انتخاب رئيس، وعقدت هذه اللجنة سلسلة اجتماعات لم يسجل في إثرها تقدّم ولو قيد أنملة لانتخاب رئيس، وكلّف سفراء هذه الدول التحرّك باتجاه القيادات السياسية في لبنان ولغاية الآن مكانك راوح، وآخر المحاولات كانت لبنانية من خلال تحرّك تكتل «الاعتدال الوطني» الذي الى الآن لم يحرز شيئاً، ويقال أن اللجنة الخماسية تتحضّر لعقد اجتماع لها يترافق مع عودة السفراء الخمسة للتحرك من جديد قريباً، من دون أن يكون في الأفق أي معطى يوحي بأننا سنكون أمام انتخاب رئيس للبلاد.

ويبدو لا بل من المؤكد ان أي محاولات جديدة بالجملة أو بالمفرق ستكون من دون جدوى، في حال لم تتهيّأ المناخات الملائمة لحوار داخلي ينهي هذا الخلاف المتشعب حول انتخاب رئيس، فما دام الصراع الداخلي محتدم، في ظل خارطة موازين القوى الموجودة حالياً في المجلس من العبث توقع انتخاب رئيس، اللهم الا اذا استطاعت جهات دولية لدى أفرقاء لبنانيين وجعلتهم يبددون مواقفهم باتجاه تأمين الأرضية الملائمة لانتخاب رئيس، ويبدو أن ذلك ما زال متعذراً، لأنه لا يوجد بعد إرادة دولية لمعالجة الأزمة في لبنان وربما يكون ذلك بعد أن تنضج التسوية في المنطقة، الى ذاك الحين سيبقى أي حراك داخلي أم خارجي، من دون بركة.