IMLebanon

الشهية المفتوحة على أصول الدولة “تُكربج” التلزيمات

كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:

نهاية شهر آذار الجاري تنقضي سنة أولى على الجدل الذي أثير حول تلزيم قطاع البريد، منذ أبطلت هيئة الشراء العام محاولة إرساء عقد إدارته على العرض الوحيد الذي قدّمه حينها إئتلاف Colis Priv France و»ميريت إنفست». وفيما لا يزال ملف إعادة تلزيم هذا القطاع يراوح مكانه، تستمرّ «ليبان بوست» بالتربّع على عرش قطاع البريد، ليتخطى عمر عقدها حتى الآن ربع قرن، والحبل على الجرار. كذلك تنقضي نهاية هذا الأسبوع خمسة أشهر على التأجيل غير المحدّد الأجل لتلزيم مراكز الكشف الميكانيكي، بعدما طُيّرت جلسة فضّ عروض هذا التلزيم التي كانت مقرّرة في 30 تشرين الأول من العام الماضي، بذريعة أنّ دفتر الشروط لم يكن مفهوماً للعارضين. وفيما كان رئيس هيئة إدارة السير مروان عبود قد طلب بضعة أسابيع فقط لإطلاق دفتر شروط جديد بصيغة «مفهومة»، صار هذا التأجيل مصدراً لريبة لا تخفيها مصادر رقابية، خصوصاً بعدما أغدق على دفتر الشروط الأول كل عبارات الاستحسان والترحيب.

في المقابل هي محطة الأشهر الستة على تقرير ديوان المحاسبة الذي فنّد المخالفات التي ارتكبتها شركة «إنكربت» المشغّلة لخدمات هيئة إدارة السير، والتي انتهت إلى تعطيلها عمل النافعة مدة ثلاثة أشهر، قبل أن يصدر قرار الديوان الذي يخضعها للقانون 13 المتعلّق بإعادة التوازن المالي لعقود الأشغال. ما يعني انقضاء نحو نصف مدة المهل الممدّدة التي استفادت منها «إنكربت»، بعد تحديد نهاية عقدها في شهر أيلول الماضي، من دون أن تبرز حتى الآن خارطة التوجّه الذي تنوي الهيئة سلوكه في إدارة النافعة في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل ملامح الفوضى التي تطلّ برأسها عبر إقالات واستقالات لم تتبيّن خلفياتها الفعلية حتى الآن. هذا في وقت انتهى شهر آذار على تكليف شركة كهرباء زحلة باستمرار تسيير المرفق العام. هذا التمديد الذي يعود بجذوره إلى شهر آذار من العام الماضي، والذي ترافق مع أربع محاولات فاشلة لتلزيم «تقديم الخدمات ضمن نطاق امتياز الشركة السابق».

عقود ضربت قطاعات إنتاجية القاسم المشترك بين الملفات الأربعة التي أثارت جدلاً على مدى نحو عام حتى الآن، يرتبط بعقود شركات خاصة ضربت قطاعات إنتاجية، حيث باتت كل محاولة للانعتاق منها، عقدة في حدّ ذاتها، حبست الدولة في واقع يشبه «وضع اليد»، مارسته شركات مشغّلة كان يفترض أن تعمل على تطوير الخدمات التي التزمتها بما يرفع القيمة الاقتصادية للقطاعات التي إئتمنت عليها، وهذا ما لم يحصل. فالدولة خاسرة اليوم في قطاع البريد. وهذا ما يجعل أيّ ربح تحقّقه، ولو غير مبني على دراسة السوق، يصوّر كربح للخزينة، طالما أنه يدرّ مداخيل لم تتوفّر في حقبة تلزيمه السابق.

والأمر نفسه ينطبق على تلزيم خدمات النافعة لـ»إنكربت». فيما تحوّل ربط مولدات شركة كهرباء زحلة الخاصة بالشبكة العامة، معضلة فرضت نفسها على آلية تنفيذ حق استرداد امتيازها من قبل الدولة. وبقيت الساحة بالنسبة إلى الكشف الميكانيكي من دون استثمار للموارد البشرية وحتى اللوجستية الموظفة سابقاً لتحقيق أهداف السلامة المرورية. لدى التطرّق إلى هذا الواقع «المكربج» مع الجهات الرقابية، لا تنفي هذه الجهات أنّ ثمة أسباباً كثيرة تعرقل جهودها المبذولة في تصحيح الواقع بما يضمن إمساك الدولة بمقدراتها. الواقع المأزوم الذي يعيشه لبنان على الصعيد المالي والأمني وحتى السياسي يشكّل أحد هذه الأسباب، إذ إنّ أي مستثمر خارجي لن يتشجّع على الإقدام على استثمارات طويلة الأمد في بلد لا يضمن استمرار هذه الاستثمارات أو أرباحها.

وهذا ما يدفع إلى تأجيل الكثير من التلزيمات مرّة تلو الأخرى. وتكشف مصادر متابعة في المقابل عن نزعة أساسية تفرض على الجهات الرقابية السير بحذر بين خطوط الصفقات المعروضة عليها. وتترجم هذه النزعة من خلال المحاولات المتكرّرة عبر أكثر من وزارة، للغرف من أصول الدولة، والسعي لإمرار صفقات على غرار تجربتي «إنكربت» و»ليبان بوست»، اللتين يكاد عقداهما يتحوّلان أبديين. الالتزام الذي كادت وزارة الأشغال تقبل عليه لاستحداث محطة استقبال ركاب جديدة في المطار terminal 2 شكّل واحداً من هذه الملفات، إذ يشبّه مصدر متابع هذه الصفقة التي أحبطتها هيئة الشراء العام، بأنها كانت محاولة لوضع اليد على مطار الدولة عبر عقد بالتراضي طويل الأمد لم يعرض في الأساس على الهيئات الرقابية.

ولكن هذه المحاولة ليست يتيمة، بل تتكرّر مظاهرها من خلال حيوية بعض الوزارات في إخراجها من جعبتها خدمات لم تكن مطروحة سابقاً، وفُصّلت دفاتر شروط تلزيمها على قياس الطامحين فيها. نبع لبنان المالي تُحلّل بعض هذه الصفقات المطروحة الغَرْف من أصول الدولة، والتي يشبّهها المصدر بالنبع، أو باحتياطي لبنان من الذهب الذي لا يزال الضمانة للنهوض بالاقتصاد مجدّداً. ولذلك يبقى طرحها تحت غطاء تأمين خدمات بديهية تأخر لبنان عن العالم في تقديمها، مصدر شبهات، إلى أن يثبت العكس.

في قراءة تحليلية لخلفيات طرح صفقات تلزيم خدمات جديدة عبر بعض القطاعات، تلفت مصادر متابعة إلى جفاف السواقي التي كانت توفّرها بعض الإلتزامات للجسور والطرقات أو السدود أو حتى الملاعب البلدية، حيث تراجعت الميزانيات المخصّصة لها، أو حتى انعدمت في معظم الوزارات والمؤسسات العامة، وحتى على صعيد البلديات. وبالتالي خسر سماسرة الدولة منذ انهيار قيمة العملة ودخول لبنان في مرحلة الإفلاس، هامش الأرباح التي كانت توفّرها هذه الصفقات، كتلك التي فضحت، على سبيل المثال لا الحصر من خلال المبالغ الطائلة التي أنفقت على إنشاء مجمع إميل لحود من دون أن يبصر النور، أو من خلال التزام الأوتوستراد العربي الذي بقيت أجزاؤه متناثرة. عقل مخطط ثمة عقل مخطط ذكي في معظم الوزارات، وجد في الأصول التي تملكها الدولة فرصة ذهبية.

فطرَحَ تلزيم خدمات جديدة تحت غطاء شراكات مع القطاع الخاص، تعززت الشبهات حولها نتيجة محاولة إمرارها من دون دراسات واضحة للسوق تضمن حقوق الدولة من مداخيلها، ومن خارج قانون هيئة الشراء العام الذي يشدّد على المنافسة، وفي ظلّ تغييب مستمرّ لدور الهيئات التي تنظّم قطاعاتها في معظم الأحيان. الأسوأ في الأمر وفقاً لما تشرحه مصادر متابعة، محاولات إظهار بعض المشاريع المطروحة، وكأنها تأتي في مجابهة الخدمات غير الشرعية التي سيطرت على السوق. فيما تكشف أي قراءة متأنية لها محاولة تشريع واقع احتكاري، لا يلغي الحالة الشاذة التي تسبب فيها تخلي الدولة عن مسؤولياتها وغضّها الطرف عن انفلاش الخدمات غير الشرعية. كل ما ذكر يحمّل الهيئات الرقابية، وفقاً لما تقرأه المصادر المتابعة مسؤولية كبرى، كما يعرّضها لضغوط كبيرة لحملها على تدوير الزوايا، حتى لو كان هذا التدوير محمّلاً بمخاطر إضاعة ثروات لا تزال محفوظة في الأصول.

وهذا ما يضع بعض التلزيمات وطارحيها في مواجهة مع الأنظمة والقوانين. بينما المفترض أن يكون من يتولون سدة المسؤولية شركاء مع الهيئات الرقابية في تطبيق القوانين بما يضمن حماية الأموال العامة وأصول الدولة.

كذلك تنقضي نهاية هذا الأسبوع خمسة أشهر على التأجيل غير المحدّد الأجل لتلزيم مراكز الكشف الميكانيكي، بعدما طُيّرت جلسة فضّ عروض هذا التلزيم التي كانت مقرّرة في 30 تشرين الأول من العام الماضي، بذريعة أنّ دفتر الشروط لم يكن مفهوماً للعارضين. وفيما كان رئيس هيئة إدارة السير مروان عبود قد طلب بضعة أسابيع فقط لإطلاق دفتر شروط جديد بصيغة “مفهومة”، صار هذا التأجيل مصدراً لريبة لا تخفيها مصادر رقابية، خصوصاً بعدما أغدق على دفتر الشروط الأول كل عبارات الاستحسان والترحيب.

في المقابل هي محطة الأشهر الستة على تقرير ديوان المحاسبة الذي فنّد المخالفات التي ارتكبتها شركة “إنكربت” المشغّلة لخدمات هيئة إدارة السير، والتي انتهت إلى تعطيلها عمل النافعة مدة ثلاثة أشهر، قبل أن يصدر قرار الديوان الذي يخضعها للقانون 13 المتعلّق بإعادة التوازن المالي لعقود الأشغال. ما يعني انقضاء نحو نصف مدة المهل الممدّدة التي استفادت منها “إنكربت”، بعد تحديد نهاية عقدها في شهر أيلول الماضي، من دون أن تبرز حتى الآن خارطة التوجّه الذي تنوي الهيئة سلوكه في إدارة النافعة في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل ملامح الفوضى التي تطلّ برأسها عبر إقالات واستقالات لم تتبيّن خلفياتها الفعلية حتى الآن.

هذا في وقت انتهى شهر آذار على تكليف شركة كهرباء زحلة باستمرار تسيير المرفق العام. هذا التمديد الذي يعود بجذوره إلى شهر آذار من العام الماضي، والذي ترافق مع أربع محاولات فاشلة لتلزيم “تقديم الخدمات ضمن نطاق امتياز الشركة السابق”.

عقود ضربت قطاعات إنتاجية

القاسم المشترك بين الملفات الأربعة التي أثارت جدلاً على مدى نحو عام حتى الآن، يرتبط بعقود شركات خاصة ضربت قطاعات إنتاجية، حيث باتت كل محاولة للانعتاق منها، عقدة في حدّ ذاتها، حبست الدولة في واقع يشبه “وضع اليد”، مارسته شركات مشغّلة كان يفترض أن تعمل على تطوير الخدمات التي التزمتها بما يرفع القيمة الاقتصادية للقطاعات التي إئتمنت عليها، وهذا ما لم يحصل.

فالدولة خاسرة اليوم في قطاع البريد. وهذا ما يجعل أيّ ربح تحقّقه، ولو غير مبني على دراسة السوق، يصوّر كربح للخزينة، طالما أنه يدرّ مداخيل لم تتوفّر في حقبة تلزيمه السابق. والأمر نفسه ينطبق على تلزيم خدمات النافعة لـ”إنكربت”. فيما تحوّل ربط مولدات شركة كهرباء زحلة الخاصة بالشبكة العامة، معضلة فرضت نفسها على آلية تنفيذ حق استرداد امتيازها من قبل الدولة. وبقيت الساحة بالنسبة إلى الكشف الميكانيكي من دون استثمار للموارد البشرية وحتى اللوجستية الموظفة سابقاً لتحقيق أهداف السلامة المرورية.

لدى التطرّق إلى هذا الواقع “المكربج” مع الجهات الرقابية، لا تنفي هذه الجهات أنّ ثمة أسباباً كثيرة تعرقل جهودها المبذولة في تصحيح الواقع بما يضمن إمساك الدولة بمقدراتها.

الواقع المأزوم الذي يعيشه لبنان على الصعيد المالي والأمني وحتى السياسي يشكّل أحد هذه الأسباب، إذ إنّ أي مستثمر خارجي لن يتشجّع على الإقدام على استثمارات طويلة الأمد في بلد لا يضمن استمرار هذه الاستثمارات أو أرباحها. وهذا ما يدفع إلى تأجيل الكثير من التلزيمات مرّة تلو الأخرى.

وتكشف مصادر متابعة في المقابل عن نزعة أساسية تفرض على الجهات الرقابية السير بحذر بين خطوط الصفقات المعروضة عليها. وتترجم هذه النزعة من خلال المحاولات المتكرّرة عبر أكثر من وزارة، للغرف من أصول الدولة، والسعي لإمرار صفقات على غرار تجربتي “إنكربت” و”ليبان بوست”، اللتين يكاد عقداهما يتحوّلان أبديين.

الالتزام الذي كادت وزارة الأشغال تقبل عليه لاستحداث محطة استقبال ركاب جديدة في المطار terminal 2 شكّل واحداً من هذه الملفات، إذ يشبّه مصدر متابع هذه الصفقة التي أحبطتها هيئة الشراء العام، بأنها كانت محاولة لوضع اليد على مطار الدولة عبر عقد بالتراضي طويل الأمد لم يعرض في الأساس على الهيئات الرقابية.

ولكن هذه المحاولة ليست يتيمة، بل تتكرّر مظاهرها من خلال حيوية بعض الوزارات في إخراجها من جعبتها خدمات لم تكن مطروحة سابقاً، وفُصّلت دفاتر شروط تلزيمها على قياس الطامحين فيها.

نبع لبنان المالي

تُحلّل بعض هذه الصفقات المطروحة الغَرْف من أصول الدولة، والتي يشبّهها المصدر بالنبع، أو باحتياطي لبنان من الذهب الذي لا يزال الضمانة للنهوض بالاقتصاد مجدّداً. ولذلك يبقى طرحها تحت غطاء تأمين خدمات بديهية تأخر لبنان عن العالم في تقديمها، مصدر شبهات، إلى أن يثبت العكس.

في قراءة تحليلية لخلفيات طرح صفقات تلزيم خدمات جديدة عبر بعض القطاعات، تلفت مصادر متابعة إلى جفاف السواقي التي كانت توفّرها بعض الإلتزامات للجسور والطرقات أو السدود أو حتى الملاعب البلدية، حيث تراجعت الميزانيات المخصّصة لها، أو حتى انعدمت في معظم الوزارات والمؤسسات العامة، وحتى على صعيد البلديات. وبالتالي خسر سماسرة الدولة منذ انهيار قيمة العملة ودخول لبنان في مرحلة الإفلاس، هامش الأرباح التي كانت توفّرها هذه الصفقات، كتلك التي فضحت، على سبيل المثال لا الحصر من خلال المبالغ الطائلة التي أنفقت على إنشاء مجمع إميل لحود من دون أن يبصر النور، أو من خلال التزام الأوتوستراد العربي الذي بقيت أجزاؤه متناثرة.

عقل مخطط

ثمة عقل مخطط ذكي في معظم الوزارات، وجد في الأصول التي تملكها الدولة فرصة ذهبية. فطرَحَ تلزيم خدمات جديدة تحت غطاء شراكات مع القطاع الخاص، تعززت الشبهات حولها نتيجة محاولة إمرارها من دون دراسات واضحة للسوق تضمن حقوق الدولة من مداخيلها، ومن خارج قانون هيئة الشراء العام الذي يشدّد على المنافسة، وفي ظلّ تغييب مستمرّ لدور الهيئات التي تنظّم قطاعاتها في معظم الأحيان.

الأسوأ في الأمر وفقاً لما تشرحه مصادر متابعة، محاولات إظهار بعض المشاريع المطروحة، وكأنها تأتي في مجابهة الخدمات غير الشرعية التي سيطرت على السوق. فيما تكشف أي قراءة متأنية لها محاولة تشريع واقع احتكاري، لا يلغي الحالة الشاذة التي تسبب فيها تخلي الدولة عن مسؤولياتها وغضّها الطرف عن انفلاش الخدمات غير الشرعية.

كل ما ذكر يحمّل الهيئات الرقابية، وفقاً لما تقرأه المصادر المتابعة مسؤولية كبرى، كما يعرّضها لضغوط كبيرة لحملها على تدوير الزوايا، حتى لو كان هذا التدوير محمّلاً بمخاطر إضاعة ثروات لا تزال محفوظة في الأصول. وهذا ما يضع بعض التلزيمات وطارحيها في مواجهة مع الأنظمة والقوانين. بينما المفترض أن يكون من يتولون سدة المسؤولية شركاء مع الهيئات الرقابية في تطبيق القوانين بما يضمن حماية الأموال العامة وأصول الدولة.