IMLebanon

القرار 1701 في بُعديه الوجودي والإستثماري

كتب خالد حماده في “اللواء”:

الجنوب ملتهب ويعيش مواجهات يومية منذ الثامن من تشرين الاول المنصرم بقرار من حزب الله القيّم على أمور ومستقبل الجنوبيين الذين يعتبرهم بيئته الحاضنة، هم الذين اقترعوا في الإنتخابات النيابية الأخيرة لكتلة الوفاء للمقاومة أو لكتلة التنمية والتحرير. ولغاية الآن لم تطالب أي من الكتلتين حزب الله بإعادة النظر بقرار «مساندة غزة» وتقييم النجاحات المحققة في ضوء الخسائر الكبيرة في الأرواح والممتلكات. يطالب الحزب بتنفيذ القرار 1701 الذي استمر تنفيذه على امتداد ثمانية عشر عاماً في غياب أحد أطرافه الرئيسة، وهي الدولة اللبنانية، التي لم تتمكن من الإضطلاع بدورها المدرج في القرار، حيث تحولت مهمة الجيش من التصدي للعدو والدفاع عن لبنان إلى قوة فصل بين جمهور حزب الله وقوات اليونيفيل، من أجل تمكين هذه القوات من تنفيذ مهامها وفقاً لتفسير حزب الله للقرار.

وفي حين تتبادل طهران وتل أبيب اللياقات الميدانية فوق دماء اللبنانيين ودمار ممتلكاتهم لجهة تأكيد كل منهما أنها ليست مع توسعة الحرب وقد أكدتا على هذه اللياقات من خلال الهجمات المضادة والمنضبطة بالمسيّرات وصواريخ الكروز دون أية خسائر تذكرـــــــ يعرب الموفدون الأوروبيون من الذين يتناوبون على زيارة لبنان بشكل دوري ولقاء المسؤولين عن حرص دولهم على عودة الإستقرار الى الجنوب ويعكفون على تقديم الأوراق والإقتراحات وتعديلاتها التي تبدأ بالدعوة لتطبيق القرار 1701.

وبما يتعدى الدوران في حلقة مفرغة لتعبئة الوقت، أضحت تلك اللقاءات التي تحاط بتغطية إعلامية استثنائية كحوار الطرشان بكل ما تعنيه هذه العبارة. ففيما يعلن كلّ من رئيسيّ المجلس النيابي والحكومة تمسّكهما بتطبيق القرار 1701 بكافة مندرجاته يذيّل هذا التمسك بشروط لاغية تجعله في مهب الرياح الإقليمية أو اختلال التوازن الداخلي. يربط رئيس الحكومة وقف إطلاق النار في الجنوب بوقف العدوان على غزة، بما يوحي وكأن هناك غرفة عمليات مشتركة بين رئاسة الحكومة في لبنان وقوات يحيى السنوار ، فيما يعتبر رئيس المجلس النيابي أن وجود حزب مسلح جنوب نهر الليطاني ليس خرقاً للقرار 1701، وبالتالي فإن لبنان قد قام بكل ما طلب منه منذ العام 2006 وإن ما قبل السابع من أكتوبر هو الصيغة النموذجية لتطبيق القرار الأممي.

وفي سياق هذه القراءة الرئاسية اللبنانية التي توظف سلاح حزب الله في التوازنات الداخلية وتتجاهل دور إيران في لبنان وتداعياته على الحياة السياسية والإستقرار الوطني وتشكيل السلطة، تأتي الإقتراحات الأوروبية لا سيما منها الفرنسية والبريطانية لتعكس توظيف الدولتين في الإختلال السياسي الداخلي لصالح حزب الله، بما يتفق مع مصالحهما في مراعاة الطرف الأقوى في لبنان وبصرف النظر عن القواسم المشتركة معه. لقد طرحت الورقة الفرنسية تراجع حزب الله الى مسافة 10 كلم عن الحدود لوقف إطلاق النار بما يشكّل تقاطعاً مع نظرية المنطقة العازلة التي تحاول إسرائيل تسويقها، وبما يقدم لحزب الله إعترافاً دولياً بسلاحه في جنوب الليطاني على غرار ما حصل في تفاهم نيسان 1996، فيما قضى المقترح البريطاني الأكثر ركاكة بنشر أبراج مراقبة شمال وجنوب الحدود أي داخل لبنان وإسرائيل تستخدمها قوات اليونيفيل لمراقبة الإختراقات اللبنانية والإسرائيلية للقرار 1701، دون الأخذ بعين الإعتبار محدودية هذه الأبراج في رصد واعتراض المقذوفات العابرة للحدود من الجهتين، وعليه أضحى للقرار الأممي قراءتان إضافيتان فرنسية بريطانية.

على المستوى الوطني، لم تكن المعارضة اللبنانية أكثر حرصاً على الوقوف صفاً واحداً للدفع باتّجاه تطبيق القرار 1701. لقد اعتبر بعض هذه المعارضة أن نتائج ما يجري في الجنوب لن تكون سوى نسخة عما جرى في العام 2006، حيث أفضت الحرب الى قرار أممي غير قابل للتطبيق تمكن بعده حزب الله من نقل المعركة إلى الداخل اللبناني والقبض على الحياة السياسية بعد تسوية قسرية تمت في الدوحة برعاية أميركية. هذا وقد اعتبر البعض الآخر أن الإهتراء الحاصل في مفاصل الدولة أضحى غير قابل للإصلاح، وبالتالي فإن تنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته لن يتمكن من انتشال لبنان مما يعانيه من فساد وهيمنة مذهبية أضحت ممسكة بمفاصل الكيان، وقد يكون الخروج من المأزق بتعديل النظام السياسي. وفي هذا السياق يمكن اعتبار التمسّك بإعطاء الأولوية القصوى لتطبيق الدستور التي ذهب إليها البعض تعبيراً عن عدم الثقة بأن يشكل تطبيق القرار 1701 ممراً نحو تطبيق الدستور واستعادة الحياة الوطنية لجهة نزع سلاح الميليشيات وإلغاء الطائفية السياسية (المادة 95).

لقد أفضت القراءات الخارجية والمحلية إلى تجاوز القرار 1701 لبعده الأمني المتعلق بتثبيت الإستقرار في الجنوب، بحيث تحوّل إلى منصة للإستثمار السياسي وتغيير المعادلات على المستويين الإقليمي والمحلي. إنّ هذا الجنوح المتمادي في تفسير وتطبيق القرار 1701 قد وضع لبنان أمام مخاطر الإستمرار كمجتمع وكمتّحد سياسي من خلال تهديد بعدين وجوديين: البعد الأول، هو تحوّل القرار 1701 الى تهديد لمبدأ مساواة اللبنانيين بالحقوق المدنية والسياسية والواجبات وهو ما أوجد تراتبية في المواطنة أضحت واقعاً معاشاً، والبعد الثاني، وهو الإستمرار في امتهان السيادة الوطنية وتقديم الولاءات الإقليمية والمذهبية عليها مما حول النظرة الى لبنان من وطن نهائي لجميع أبنائه الى وطن وسيط لبعض أبنائه.

فهل يتوقف الإستثمار بالقرار 1701 وهل حان الوقت ليقرأ اللبنانيون بعقولهم؟