IMLebanon

رسالة إلى ندى معوّض

كتب الدكتور جورج شبلي:

لا فرق بين” المفاوِضة الحديدية ” و ” لَبْوَة لبنان”، فكلاهما توصيفٌ أكيدٌ لتلك التي أخذت على عاتقها المواجهة من أجل لبنان، فجاءَت دعوتُها الحاسمة للحفاظ على الوطن، كالدّعوة الى الصّلاة بحَسبِ الطّقوس التي تداولَتها الأجيال.
لقد استهلَّت السّفيرة ندى معوّض مشاركتها، بأكملِ الأمثلة التي تجمعُ بين الإجادةِ في النّقاش، وأبجديّة الحضورِ الرّاقي المُتَّزِن، ومَحاسنِ المنطق، والمهارة في المُحاجَجة، وقد فَخَّمَت مشاركَتَها بإيمانٍ لا يتبدّل بنهائية الكيان، وبضرورة إتمام مشروع الدولة التي ينبغي أن تفرض سلطتها على كامل مساحة الوطن، بديلًا أكيدًا عن دويلاتٍ وغيتواتٍ بغيضة جرّت الويلات، وزجّت بالبلاد في أتون جهنّم، وأشعلَت، باستقوائها اللّاشرعي، حروبًا عقيمةً أجبرَتِ البلادَ على القَبولِ بمفاوضاتٍ تُنهي أزماتِه التي افتعلَها الخارجُ وتنبّاها ذراعُه البَلَديّ.
أيّتها السّفيرة الجريئة،

لقد أكّدتِ على أنّ بينَكِ والحقّ عِشرةً حميمة، وأمكنةَ أُنس، فقد لوّنَ الحقُّ مطالعاتِكِ، ولازَمها طيلةَ حلقات التّفاوض، بسلاسةٍ وقيادة موصوفة، وإشباعٍ لمقوّمات النّقاش الهادِف، ما سرَّع عُلوقَكِ بالعقول وبالقلوب، إقناعًا وتقديرًا. وهكذا، تكونين وجهًا رياديًّا في الدبلوماسيّة، وأنتِ المتأصّلة في الوطنيّة انتماءً وولاءً، ونشاطًا مُندَفِعًا، وصَونًا للهويّة، تسبكين كلَّ ذلك بإطارٍ حكيم تستقلّينَ مَتنَه لتُلزِمي المشارِكين في المفاوضات، على الطّوافِ فوقَ تُحَفِ حضورِك الرّاقي، وهكذا، يستوفي المشارِكون الفرقَ بين الكلامِ الموزونِ والضّجيج.

أنتِ تَصِلين، في مداخلاتِك القَيِّمة، الى مخابئ الدرِّ في الحسِّ الوطني، هذه التي لا تُفتَحُ إلّا لِمَنْ تَثَبَّتَ في جُرنِ الانتماء الى الوطن، ولم يتجوّلْ إلّا في أرجاءِ الإخلاص للأرض، ولم ينضحْ عنه إلّا الحقيقة الصّريحة التي تفضحُ التّزييفَ والعمالة عندَ مُطَرِّزي الارتهان. إنّ مسؤوليّتَكِ الوطنيّة تتمظهرُ في أنّكِ تحملينَ لبنانيّتَكِ بين يدَيكِ، وتقدّمينها عالية الجَبين، لِمَنْ تعتبرينَ أنّها حَقٌّ عَينيٌّ يملكونه، مؤمِنَةً بأنّ مالِكَ اللّؤلؤ لا يتنازلُ عنه.

إنّ قرارَ خلاصِ الوطن لا يمكنُ أن يتّخذه مَنْ خُلِقوا من الطِّينةِ السُّفلى، وحوّلَتِ العَمالةُ إحساسَهم بالوطنِ حَطَبًا، وانتماءَهم ترابًا، حتى صارَ لبنانُ معهم خُرافة. أمّا النّضالُ الرّائد، وأنتِ في طليعةِ أصحابه، والسّاعي الى استعادةِ لبنانَ الحضارة، لبنانَ السّلام، لبنان ” الكَون المقدَّس “، والذي يصلُنا بالله، ويُحوِّلُ كتلةَ وجودِنا الى قيمة، فهو مهمّةُ مَنْ نَقشوا التحدّي في أهدافهم، وصعَّدوا درجاتِ الحرارة في عنفوانهم، وهذا هو الجوهرُ المنسولُ من خيوطِ محبّةِ لبنان، والذي يُظهِرُ مدى تفوّقِ حالِ الانتماء، ويُميطُ اللِّثامَ، في ذلك الانتماء، عن الفَرقِ الشّاسعِ بين العاجِ والتّراب.
كانت مطالعاتُكِ ذات المناخِ الوطنيّ، قوافلَ يسيّرُها العقل الواعي، ويقودُها المنطق، وتُبَلوِرُها الثقافة، وكنتِ تستمرّين في المُحاججةِ لها، بالرّغم من أنّ مواقفَكِ كانت تُواجَهُ، من بعض الصنمِيّين عندَنا، العابِثين بمصير البلادِ والعِباد، بتكرارٍ لفِكرٍ جامد، وأوصافٍ جاهزة، ولغة خشبيّة لا تُضيفُ الى مسافاتِ التلقّي مسافاتٍ جديدة، وهذه علامةُ المحدوديّة، والتَعَفُّن في سراديبِ القوالبِ التي يتلقَّنُها مَنْ كانوا آلاتٍ ذواتِ سَطحٍ بغيرِ عمق.

المداخلاتُ، معكِ، نسيجُها الوطن، وأنتِ بنتُ حضارتِه النقيّةُ، والمُتماهِيَةُ بهويّته، والسّاعيةُ الى تجنيبِه المزيدَ من التوتّرِ الدّموي، مُقتنِعَةً بأنّ السّلامَ يحصّنُ لبنان، وينعكسُ في ربوعِه استقرارًا يُعيدُ ثقةَ العالَمِ به، ويقدّمُ لأجيالِه أملًا بغدٍ أفضل.

يا ” لَبوَةَ لبنان “،

أيّتها المُلتزِمةُ بمسلَّمات الوطن، وقِيَمِ إنسانِه، سلامًا وحريّةً وحقًّا بالعيش الكريم، إنّ رحلتَكِ في العمل الدّبلوماسيّ شاهدةٌ على همّتِكِ الفاعِلة لنصرةِ القضيةِ اللبنانيّة، وهي قضيّةُ كرامة، وبقاء. أنتِ قيمةٌ مُضافة في جرأتِكِ التي أنتجَت إنجازًا تاريخيًّا، بفَضلِ إيمانِكِ بلبنان، فلطالما نقلَ الإيمانُ الجبال، فكيفَ لا يحقّقُ إنجازًا للتاريخ ؟؟؟
ندى، يا لَبوةَ الوطن، كلُّ الوطنِ يقولُ لكِ : شكرًا …