رعت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، احتفال تخريج طلاب جامعة المقاصد في كليات الدراسات الإسلامية والتمريض وإعداد المعلمين، بحضور رئيس المحاكم الشرعية السنية الدكتور الشيخ محمد عساف ممثلا مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والعديد من الشخصيات.
وألقت الوزيرة، كلمة جاء فيها: “هناك مؤسسات ما زالت ترى في التربية مشروعاً وطنياً، لا مجرد قطاع تتجاذبه المصالح الضيقة الأفق والسياسة المبتذلة. ولهذا أشعر أن وجودي بينكم اليوم ليس مجرد مشاركة في حفل تخرّج، بل فرصة لتجديد الشراكة بين وزارة التربية وجمعية المقاصد، المؤسسة الوطنية التي كانت، على مدى أكثر من قرن، شريكاً أساسياً في كتابة تاريخ التربية في لبنان. فعندما نقرأ تاريخ النهضة التعليمية في وطننا، يصعب أن نروي هذه القصة من دون أن نتوقف عند مساهمات جمعية المقاصد. فالمقاصد لم تضف مؤسسات تعليمية إلى قطاع التربية في لبنان فحسب، بل ساهمت في ترسيخ فكرة أن الاستثمار الحقيقي في الأوطان يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وأن التعليم ليس خدمة تُقَدَّم، بل رسالة تُبنى عليها المجتمعات. وأنا أؤمن أن المقاصد، كما كان لها دور محوري في نهضة التربية اللبنانية في مراحل مفصلية من تاريخنا، تستطيع اليوم أيضاً أن تكون شريكاً أساسياً في نهضة لبنان من أزمته المستفحلة ، لذلك لا زلت اؤمن أنا وحكومة الإصلاح التي اعتز بالانتماء لها ان هذه النهضة آتية لامحالة. وان استعادة الدولة لا تبدأ من السياسة وحدها. بل تبدأ أيضاً من المدرسة، والجامعة، والمعلم، والباحث، وكل من يؤمن أن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر إلى بناء الوطن”.
وأضافت: “لن أطلب منكم أن تبقوا جميعاً في لبنان. لأني اقتنعت أن حب الوطن لا يُقاس بعدد الكيلومترات التي تفصلنا عنه. لكنني أرجو ألا تسمحوا للمسافة التي ستفصلكم عنه أن تتحول إلى قطيعة. وألا تصبح علاقتكم بلبنان مجرد حنين إلى الماضي. بل ساهموا في بناء مستقبله. ابقوا جزءاً من قصته. استثمروا فيه كلما استطعتم. افتحوا له الأبواب حيثما كنتم. كونوا سفراء له بعلمكم، وأخلاقكم، وانجازاتكم. وعودوا إليه كلما استطعتم، ليس فقط بأجسادكم، بل أيضاً بأفكاركم، وخبراتكم، وعلاقاتكم. فالأوطان الحديثة لا تُبنى فقط داخل حدودها. بل تُبنى أيضاً عبر أبنائها المنتشرين في العالم. وأنا، رغم كل ما مرّ به لبنان، ما زلت أؤمن بأن أجمل فصول قصته لم تُكتب بعد”.
كما أكدت كرامي أن “التعليم يفتح أبواباً لا نستطيع دائماً أن نراها مسبقاً. واثبتت لي الحياة ان الإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف منذ البداية كل تفاصيل الطريق. ما يحتاجه هو أن يتمسك بقيمه، وأن يستمر في التعلم، حتى يكون مستعداً لمواجهة الصعاب ولاغتنام الفرص عندما تأتي. وأن الانفتاح على العالم لا يكتمل إلا إذا عرف الإنسان ما الذي يحمله معه إلى هذا العالم. ربما أن كثيرين منكم يفكرون اليوم في بناء مستقبلهم خارج لبنان. وهذا أمر مفهوم، بل وطبيعي. فالعالم اليوم أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى، وفرص التعلم والعمل لم تعد تعرف حدوداً جغرافية. وربما سيحمل كثيرون منكم أحلامهم إلى مدن وجامعات ومؤسسات في أنحاء مختلفة من العالم. أتمنى أن يبقى بينكم وبين لبنان خيط لا ينقطع. لأن العلاقة مع الوطن ليست عقد إقامة. وليست قراراً إدارياً. إنها علاقة انتماء وذاكرة ومسؤولية”.
وقالت: “بعد ١٥ سنة عدت إلى لبنان. وتعلمت درساً مهماً في هذه المحطة: إن مستقبل لبنان لن يُبنَى من تلقاء نفسه. ولن تصنعه الأمنيات وحدها. فالأوطان لا تنهض لأن أبناءها يحبونها فقط. بل لأنها تجد من يبني مؤسساتها، ويحمي معاييرها، ويؤدي عمله بإتقان ونزاهة، حتى عندما لا يراقبه أحد. وتعلمت ان بناء الأوطان لا يبدأ فقط بالقرارات الكبرى. لكنه يكون بالقرارات الصغيرة التي يتخذها كل واحد منا، كل يوم. ولهذا أؤمن أن بناء لبنان ليس مهمة تقع على عاتق الدولة وحكومتها وحدها. ولا على عاتق جيل واحد. إنه مشروع وطني طويل الأمد لا يبنيه فرد، ولا جيل، ولا مؤسسة وحدها، بل نبنيه جميعاً، أفراداً ومؤسسات، كلٌّ من موقعه. وأنتم، ابتداءً من اليوم، جزء من هذا المشروع. كلٌّ من موقعه. وكلٌّ من اختصاصه. وكلٌّ من المكان الذي ستأخذه إليه الحياة”.
وختمت وزيرة التربية: “أنا على ثقة بأنكم ستمتلكون المعرفة. وستكتسبون الخبرة. وستُفتح أمامكم أبواب كثيرة. لكن ما سيعرّفكم حقاً هو كيف ستستخدمون كل ذلك. لقد تحدث جيلي كثيراً عن قيمة التنوع التي تميّز لبنان. أما جيلكم، فأظن أن مهمته ستكون أصعب. أن يحوّل هذا التنوع إلى ثقة. وهذا الاختلاف إلى قدرة على العمل معاً. سواء كنتم في لبنان. أو في المنطقة العربية. أو في أي مكان من العالم. بناء الثقة العابرة للتنوع هو الأساس لنصل إلى مجتمع إنساني يعمه السلام وتحصنه العدالة لان المجتمعات لا تنهض عندما يصبح الناس متشابهين. بل عندما يتعلم المختلفون أن يعملوا معاً، وأن يحترموا اختلافهم، وأن يبحثوا عن المشترك في إنسانيتهم من دون أن يتخلوا عن خصوصياتهم. ورغم كل ما مرّ به لبنان، ما زلت أؤمن به كنموذج فريد وأحلم واعمل جادة من كل موقع استلمه حتى ينهض من خيباته ليصبح مثالاً يحتذى في هذا العالم”.